الشنقيطي

152

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فالجواب أن الصحابي إذا خالف ما روى ففيه للعلماء قولان : وهما روايتان عن أحمد - رحمه اللّه - . الأولى : أنه لا يحتج بالحديث ؛ لأن أعلم الناس به راويه وقد ترك العمل به ، وهو عدل ، عارف ، وعلى هذه الرواية فلا إشكال . وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء أن العبرة بروايته لا بقوله ، فإنه لا تقدم روايته إلا إذا كانت صريحة المعنى ، أو ظاهرة فيه ظهورا يضعف معه احتمال مقابله ، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالا قويا فإن مخالفة الراوي لما روى تدل على أن ذلك المحتمل الذي ترك ليس هو معنى ما روى ، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالا قويا لأن تكون الطلقات مفرقة ، كما جزم به النسائي وصححه النووي ، والقرطبي ، وابن سريج فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم واحد واحدة يدل على أن معنى الحديث الذي روي ليس كونها بلفظ واحد كما سترى بيانه في كلام القرطبي في المفهم في الجواب الذي بعد هذا . واعلم أن ابن عباس لم يثبت عنه أنه أفتى في الثلاث بفم واحد أنها واحدة ، وما روى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عكرمة ، أن ابن عباس قال : إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة فهو معارض بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن عكرمة ، أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس ، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحفاظ لإسماعيل ، في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة . الجواب الخامس : هو ادعاء ضعفه وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكي ، وابن عبد البر ، والقرطبي . قال ابن العربي المالكي : زلّ قوم في آخر الزمان فقالوا : إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم ، وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول فحكوه عن علي ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة ، المغمور المرتبة ، ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل ، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه وقالوا إن قوله : أنت طالق ثلاثا كذب ؛ لأنه لم يطلق ثلاثا ، كما لو قال : طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة ، وكما لو قال : أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة . ولقد طوّفت في الآفاق ، ولقيت من علماء الإسلام ، وأرباب المذاهب كل صادق ، فما سمعت لهذه المسألة بخبر ، ولا أحسست لها بأثر ، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزا ، ولا يرون الطلاق واقعا ، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمي :