الشنقيطي

149

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أحدها : أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل : إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر ، وإنما قال ما تقدم : يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعا . ولذلك أفتى بخلافه ، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ . الثاني : إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب ؛ فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتما . الثالث : أن تغليطه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضا ؛ لأن المراد بظهوره انتشاره ، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر ، محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ ا ه محل الحاجة من فتح الباري بلفظه ، ولا إشكال فيه ؛ لأن كثيرا من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه ، وقد وقع ذلك في خلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، فأبو بكر لم يكن عالما بقضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، في ميراث الجدة حتى أخبره المغيرة بن شعبة ، ومحمد بن مسلمة ، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل ، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الجزية من مجوس هجر حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف . ولا من الاستئذان ثلاثا ، حتى أخبره أبو موسى الأشعري ، وأبو سعيد الخدري ، وعثمان لم يكن عنده علم بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أوجب السكنى المتوفى عنها زمن العدة ، حتى أخبرته فريعة بنت مالك . والعباس بن عبد المطلب ، وفاطمة الزهراء رضي اللّه عنهما ، لم يكن عندهما علم بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنا معاشر الأنبياء لا نورث » « 1 » الحديث حتى طلبا ميراثهما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأمثال هذا كثيرة جدا ، وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله ، واعتراف المخالف به في نكاح المتعة ، فإن مسلما روى عن جابر رضي اللّه عنه ، أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر ، وصدرا من خلافة عمر ، قال : ثم نهانا عمر عنها فانتهينا وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقا « ما أشبه الليلة بالبارحة » . فإلا يكنها أو تكنه فإنه * أخوها غذته أمه بلبانها فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما ، ويدعي استحالته في

--> ( 1 ) سبق تخريجه .