الشنقيطي
142
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة ، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا بالرجعة ؛ لوقوع البينونة بها مجتمعة ، هذا هو معنى كلامه ، الذي لا يحتمل غيره . وهو قوي جدا في محل النزاع ؛ لأنه مفسر به قرآنا ، وهو ترجمان القرآن وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم علمه التأويل » « 1 » . وعلى هذا القول جل الصحابة ، وأكثر العلماء ، منهم الأئمة الأربعة . وحكى غير واحد عليه الإجماع ، واحتج المخالفون بأربعة أحاديث : الأول : حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد « 2 » وأبي يعلى ، وصححه بعضهم قال : طلّق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد ، فحزن عليها حزنا شديدا فسأله النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كيف طلّقتها ؟ قال ثلاثا في مجلس واحد ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما تلك واحدة ، فارتجعها إن شئت فارتجعها » قال مقيده - عفا اللّه عنه - الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه . الأول : أنه لا دليل فيه البتة على محل النزاع على فرض صحته ، لا بدلالة المطابقة ، ولا بدلالة التضمن ، ولا بدلالة الالتزام ؛ لأن لفظ المتن أن : الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد ، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد ، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد ، لا بد أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى ؛ إذ لم يدل كونها في مجلس واحد ، على كونها بلفظ واحد . بنقل ، ولا عقل ، ولا لغة كما لا يخفى على أحد . بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد ، إذ لو كانت بلفظ واحد ، لقال بلفظ واحد وترك ذكر المجلس ؛ إذ لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بلا موجب كما ترى . وبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول : بالقول بالموجب ، فيقال : سلمنا أنها في مجلس واحد ، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد فافهم . وسترى تمام هذا المبحث إن شاء اللّه ، في الكلام على حديث طاوس عند مسلم . الثاني : أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة . قال ابن حجر في التقريب : داود بن الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة ، ورمى برأي الخوارج اه . وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة . مع أنا قدمنا أنه لو كان صحيحا لما كانت فيه حجة . الثالث : ما ذكره ابن حجر في فتح الباري ، فإنه قال فيه ما نصه : الثالث : أن أبا داود
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : أحمد في المسند 1 / 266 ، 269 ، 314 ، 328 ، 335 . ( 2 ) المسند 1 / 265 .