الشنقيطي

131

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

هذا الحديث سكت عليه أبو داود ، والمنذري . قال الشوكاني في نيل الأوطار : ورجاله رجال الصحيح . قال مقيده - عفا اللّه عنه - ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن ، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع ، وبها تعلم أن احتجاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور واقع موقعه ؛ لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري - رحمه اللّه - يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود ، مطابق لترجمة البخاري ، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم يخرجها ؛ لأنها ليست على شرطه ، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنفذ طلاق الثلاث دفعة يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته صلّى اللّه عليه وسلم وتقريره له ؛ بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى . وذهب عثمان البتي وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري ، أحد أصحاب ابن عباس من فقهاء التابعين : إلى أن الفرقة لا تقع حتى يوقعها الزوج ، وذهب أبو عبيد إلى أنها تقع بنفس القذف وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمرا قطعيا ، حتى ترد به دلالة تقرير النبي صلّى اللّه عليه وسلم عويمر العجلاني ، على إيقاع الثلاث دفعة ، الثابت في الصحيح ، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه صلّى اللّه عليه وسلم أنفذ ذلك ، فإن قيل قد وقع في حديث لأبي داود عن ابن عباس وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى « 1 » ، من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها . فالجواب أن هذا التعليل لعدم إيجاب النفقة والسكنى ؛ للملاعنة بعدم طلاق أو وفاة يحتمل كونه من ابن عباس ، وليس مرفوعا إليه صلّى اللّه عليه وسلم . وهذا هو الظاهر أن ابن عباس ذكر العلة لما قضى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من عدم النفقة والسكنى ، وأراه اجتهاده أن علة ذلك عدم الطلاق والوفاة . والظاهر أن العلة الصحيحة لعدم النفقة والسكنى هي البينونة بمعناها الذي هو أعم من وقوعها بالطلاق أو بالفسخ ، بدليل أن البائن بالطلاق لا تجب لها النفقة والسكنى على أصح الأقوال دليلا . فعلم أن عدم النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق . وأوضح دليل في ذلك ما صح عنه صلّى اللّه عليه وسلم من حديث فاطمة بنت قيس رضي اللّه عنها : « أنّها طلّقها زوجها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نفقة ولا سكنى » أخرجه

--> ( 1 ) كتاب الطلاق حديث 2256 .