الشنقيطي
119
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد حكى القرطبي الإجماع على أن العقم لا يرد به في تفسير قوله تعالى : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ [ البقرة : 223 ] الآية ، فإذا تحققت من هذه الأدلة أن وطء المرأة في دبرها حرام . فاعلم أن من روي عنه جواز ذلك كابن عمر ، وأبي سعيد وجماعات من المتقدمين ، والمتأخرين ، يجب حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر إتيانها في الفرج من جهة الدبر ، كما يبينه حديث جابر ، والجمع واجب إذا أمكن ، قال ابن كثير في تفسير قوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] ما نصه : قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد اللّه الدارمي في مسنده : حدثنا عبد اللّه بن صالح ، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب ، عن سعيد بن يسار أبي الحباب ، قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري أيحمض لهن ؟ قال وما التحميض ؟ فذكر الدبر . فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين « 1 » ؟ وكذا رواه ابن وهب ، وقتيبة عن الليث . وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك . فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم ، منه بلفظه ، وقد علمت أن قوله : أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] لا دليل فيه للوطء في الدبر ؛ لأنه مرتب بالفاء التعقيبية ، على قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 223 ] ومعلوم أن الدبر ليس محل حرث ، ولا ينتقض هذا بجواز الجماع في عكن البطن ، وفي الفخدين ، والساقين ، ونحو ذلك مع أن الكل ليس محل حرث ؛ لأن ذلك يسمى استمناء لا جماعا . والكلام في الجماع ؛ لأن المراد بالإتيان في قوله : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ [ البقرة : 223 ] الجماع والفارق موجود ؛ لأن عكن البطن ونحوها لا قذر فيها ، والدبر فيه القذر الدائم ، والنجس الملازم . وقد عرفنا من قوله : قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ [ البقرة : 222 ] الآية ، أن الوطء في محل الأذى لا يجوز . وقال بعض العلماء : معنى قوله : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] أي من المكان الذي أمركم اللّه تعالى بتجنبه ؛ لعارض الأذى وهو الفرج ولا تعدوه إلى غيره ، ويروى هذا القول عن ابن عباس ومجاهد ، وقتادة ، والربيع وغيرهم ، وعليه فقوله : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] يبينه قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ [ البقرة : 222 ] الآية ؛ لأن من المعلوم أن محل الأذى الذي هو الحيض إنما هو القبل ، وهذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا ، وهذا القول مبني على أن النهي عن الشيء أمر بضده ؛ لأن ما نهى اللّه عنه فقد أمر
--> ( 1 ) سبق تخريجه .