الشنقيطي
116
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) [ المائدة : 91 ] . قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ [ 221 ] الآية . ظاهر عمومه شمول الكتابيات ، ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم ، وهي قوله تعالى : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] ، فإن قيل الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات بدليل قوله : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [ البينة : 1 ] ، وقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [ البينة : 6 ] ، وقوله : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [ البقرة : 105 ] ، والعطف يقتضي المغايرة ، فالجواب أن أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين كما صرح به تعالى في قوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) [ التوبة : 30 - 31 ] . قوله تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ 222 ] . لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظة « حيث » ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين . إحداهما : هي قوله هنا : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ [ البقرة : 223 ] ؛ لأن قوله : فَأْتُوا أمر بالإتيان بمعنى الجماع ، وقوله : حَرْثَكُمْ يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث ، يعني بذر الولد بالنطفة ، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى ؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد ، كما هو ضروري . الثانية : قوله تعالى : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ البقرة : 187 ] ، لأن المراد بما كتب اللّه لكم ، الولد ، على قول الجمهور ، وهو اختيار ابن جرير ، وقد نقله عن ابن عباس ، ومجاهد ، والحكم ، وعكرمة ، والحسن البصري ، والسدي ، والربيع ، والضحاك بن مزاحم . ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل . فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه ، بمعنى الجماع ، فيكون معنى الآية : فالآن باشروهن ، ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد ، الذي هو القبل دون غيره ، بدليل قوله : وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني الولد . ويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى : أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] يعنى أن يكون