الشنقيطي

92

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال تعالى : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا إلى قوله وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً [ النساء : 88 - 89 ] . قوله تعالى : لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [ 3 ] . الأرحام تستعمل في القرآن لعموم القرابة ، كقوله تعالى : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [ الأنفال : 75 ] ، وقوله تعالى : يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ أي بتقطع الأنساب بينهم ، كما بينه تعالى بقوله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) [ المؤمنون : 101 ] . وقد بين تعالى نتيجة هذا الفصل بينهم يوم القيامة في قوله تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) [ عبس : 34 - 37 ] ، وقوله في موضع آخر : وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ( 12 ) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ [ المعارج : 12 - 13 ] ، فعمت جميع الأقارب وبينت سبب الفصل بينهم ، وما يترتب عليه . وهذه الآية خطاب للمؤمنين في ذوي أرحامهم من المشركين ، كما في قصة سبب النزول في أمر حاطب بن أبي بلتعة في إرساله الخطاب لأهل مكة قبيل الفتح بأمر التجهز لهم . ومفهوم الوصف في أول السياق عدوي وعدوّكم ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق ، يدل بمفهوم المخالفة أن أولى الأرحام من المؤمنين قد لا يفصل بينهم يوم القيامة . ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الطور : 21 ] ، وقوله تعالى في دعاء الملائكة من حملة العرش للمؤمنين : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [ غافر : 8 ] . وهذه الآية بيان واضح في أن روابط الدين أقوى وألزم من روابط النسب . وهذا المعنى بالذات تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى عليه ، الكلام عليه عند قوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] والآية الآتية بيان واضح