الشنقيطي
89
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الفخر الرازي : التقديم لأن عداوة العبد للّه بدون علة ، وعداوة العبد للعبد لعلة ، وما كان بدون علة فهو مقدم على ما كان بعلة اه . والذي يظهر واللّه تعالى أعلم : أن التقديم لغرض شرعي وبلاغي ، وهو أن عداوة العبد للّه هي الأصل ، وهي أشد قبحا ، فلذا قدمت ، وقبحها في أنهم عبدوا غير خالقهم ، وشكروا غير رازقهم ، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم . وقد جاء في الأحاديث القدسية ما يستأنس به في ذلك فيما رواه البيهقي والحاكم ، عن معاذ والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ما نصه : « إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري » وفيه « خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد ، أتحبّب إليهم بالنعم ويتبغضون إلي بالمعاصي » كما أن تقديمه يؤكد بأنه هو السبب في العداوة بين المؤمنين والكافرين ، وما كان سببا فحقه التقديم . ويدل على ما ذكرنا من أنه الأصل ، أن الكفار لو آمنوا باللّه وانتفت عدواتهم للّه لأصبحوا إخوانا للمؤمنين ، وانتفت العداوة بينهما ، وكذا كونه مغيا بغاية في قوله تعالى : فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 89 ] . ومثله قوله تعالى في قوم إبراهيم : وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [ الممتحنة : 4 ] فإذا هاجر المشركون وآمن الكافرون ، انتفت العداوة وجاءت الموالاة . ومما قدمنا من أن سبب النهي عن موالاة الأعداء ، هو الكفر يعلم أنه إذا وجدت عداوة لا لسبب الكفر فلا ينهى عن تلك الموالاة لتخلف العلة الأساسية ، كما جاء في قوله تعالى : إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [ التغابن : 14 ] ، ثم قال تعالى : وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التغابن : 14 ] . فلما تخلف السبب الأساسي في النهي عن موالاة العدو الذي هو الكفر ، جاء الحث على العفو والصفح والغفران ، لأن هذه العداوة لسبب آخر هو ما بينه قوله تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ التغابن : 15 ] . فكان مقتضاها فقط الحذر من أن يفتنوه ، وكان مقتضى الزوجية حسن العشرة ، كما هو معلوم . وسيأتي زيادة إيضاح لهذه المسألة عند هذه الآية ، إن شاء اللّه تعالى .