الشنقيطي

76

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [ الكهف : 4 - 5 ] وكما قال تعالى : أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الصافات : 151 - 152 ] ، وقال مبينا جرم مقالتهم ، وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [ مريم : 88 - 92 ] . فكانت تلك الآيات الثلاث علاجا في الجملة لتلك القضايا الثلاث ، توحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وتنزيه اللّه سبحانه وتعالى مع إقامة الأدلة عليها . وقد اجتمعت معا لأنه لا يتم أحدها إلا بالآخرين ، ليتم الكمال للّه تعالى . قال أبو السعود : إن الكمالات كلها مع كثرتها وتشعبها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم اه . وهذا كله متوفر في هذا السياق ، وقد بدأ بكلمة التوحيد ، لأنها الأصل ، لأن من آمن باللّه وحده آمن بكل ما جاء عن اللّه ، وآمن باللّه على ما هو له أهل ، ونزهه عما ليس له بأهل قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ الحشر : 22 ] ثم أعقبه بالدليل على إفراده تعالى بالألوهية بما لا يشاركه غيره فيه بقوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [ الحشر : 22 ] . وهذا الدليل نص عليه على أنه دليل لوحدانية اللّه تعالى في مواضع أخرى منها قوله تعالى إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [ طه : 98 ] ووسع كل شيء هنا تساوى عالم الغيب والشهادة ، ومنها قوله تعالى أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 26 ) [ النمل : 25 - 26 ] . وقوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إلى قوله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] . وهذا قطعا لا يشاركه فيه غيره ، كما قال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] فكان من حقه على خلقه أن يعبدوه وحده لا إله إلا هو ، وجاء بدليل ثان ، وهو قوله تعالى هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ وقد نص عليه صراحة أيضا كدليل على الوحدانية في قوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 163 )