الشنقيطي

71

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] ، وكذلك أصموا آذانهم عن سماعه وغلفوا قلوبهم بالكفر عن فهمه ، وأوصدوها بأقفالها فقالوا : قلوبنا غلف . وكذلك قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الكهف : 57 ] أي : بسبب الإعراض وعدم التدبر والنسيان ، ولذا قال تعالى عنهم : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] فهذه أسباب عدم تأثر الكفار بالقرآن كما قال الشاعر : إذا لم يكن للمرء عين صحيحة * فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر ويفهم منه بمفهوم المخالفة أن المؤمنين تخشع قلوبهم وتلين جلودهم ، كما نص تعالى عليه بقوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ [ الزمر : 23 ] وقوله تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا يدل على أنه لم ينزله على جبل ولم يتصدع منه . وقد جاء في القرآن ما يدل عليه : لو أنزله ، من ذلك قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها [ الأحزاب : 72 ] . وهذا نص صريح لأن الجبال أشفقت من حمل الأمانة وهي أمانة التكليف بمقتضى خطاب اللّه تعالى إياها . فإذا كانت الجبال أشفقت لمجرد العرض عليها فكيف بها لو أنزل عليها وكلفت به . ومنها : أن اللّه تعالى لما تجلى للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا . والقرآن كلام اللّه وصفة من صفاته ، فهو شاهد وإن لم يكن نصا . ومنها النص على أن بعض الجبال التي هي الحجارة ليهبط من خشية اللّه لقوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ البقرة : 74 ] . وقد جاء في السنة إثبات ما يشبه ذلك في جبل أحد ، حينما صعد عليه النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان رضي اللّه عنهما فارتجف بهم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أثبت