الشنقيطي
65
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صاحب يوسف : فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [ يوسف : 42 ] . ولكن الصحيح عند علماء السلف أن حقيقة النسيان والإنساء والتذكير والتذكر كحقيقة أي معنى من المعاني ، وأنها كلها من اللّه قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] ، قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ التوبة : 51 ] فما نسب إلى الشيطان فهو بتسليط من اللّه كما في قوله تعالى : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [ البقرة : 102 ] ، ثم قال : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 102 ] فيكون إسناد الإنساء إلى الشيطان من باب قول الخليل عليه السلام وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشعراء : 80 ] تأدبا في الخطاب مع اللّه تعالى ، ولكن هذا المقام مقام إخبار من اللّه عما أوقعه بهؤلاء الذين نسوا ما أمرهم به فأنساهم ، فأوقع عليهم النسيان لأنفسهم مجازاة لهم على أعمالهم ، فكان نسبته إلى اللّه وبإخبار من اللّه عين الحق وهو أقوى من أسلوب المقابلة : نسوا اللّه فنسيهم . تنبيهان الأول : جاء في مثل هذا السياق سواء بسواء قوله تعالى : وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [ الجاثية : 34 ] . وقوله : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ [ السجدة : 14 ] . وقوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] ، وفي هذا نسبة النسيان إلى اللّه تعالى فوقع الإشكال مع قوله تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) [ مريم : 64 ] وقوله : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] . وقد أجاب الشيخ - رحمة اللّه عليه - عن ذلك في دفع إيهام الاضطراب ، بأن النسيان المثبت بمعنى الترك كما تقدم ، والمنفي عنه تعالى : هو الذي بمعنى السهو ، لأنه محال على اللّه تعالى . التنبيه الثاني مما نص عليه الشيخ - رحمة اللّه تعالى عليه - في مقدمة الأضواء ، أن من أنواع البيان أن يوجد في الآية اختلاف للعلماء وتوجد فيها قرينة دالة على المعنى المراد ، وهو موجود هنا في هذه المسألة وهو قوله تعالى : الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا