الشنقيطي
57
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
النظر والتأمل فيما قدمت كل نفس لغد ، وتكرر الأمر فيها بتقوى اللّه ، مما يدل على شدة الاهتمام والعناية بتقوى اللّه على ما سيأتي تفصيله إن شاء اللّه ، سواء كان التكرار للتأكيد أم كان للتأسيس ، وسيأتي بيانه إن شاء اللّه . أما الاهتمام بالحث على التقوى ، فقد دلت له عدة آيات من كتاب اللّه تعالى ، ولو قيل : إن الغاية من رسالة الإسلام كلها ، بل ومن جميع الأديان هو تحصيل التقوى لما كان بعيدا ، وذلك للآتي : أولا : قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] ، ومعلوم أنه تعالى ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته ، فتكون التقوى بمضمون هاتين الآيتين . هي الغاية من خلق الثقلين الإنس والجن . وقد جاء النص مفصلا في حق كل أمة على حدة ، منها في قوم نوح عليه السلام قال تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ( 105 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 106 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [ الشعراء : 105 - 108 ] ، وفي قوم عاد قال تعالى : كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 124 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 125 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [ الشعراء : 123 - 126 ] ، وفي قوم لوط : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ( 160 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 161 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 162 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [ الشعراء : 160 - 163 ] ، وفي قوم شعيب ، قوله تعالى : كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ( 176 ) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 177 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 178 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [ الشعراء : 176 - 179 ] . فكل نبي يدعو قومه إلى التقوى كما قدمنا ، ثم جاء القرآن كله دعوة إلى التقوى وهداية للمتقين ، كما في مطلع القرآن الكريم : ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 1 - 2 ] ، وبين نوع هذه الهداية المتضمنة لمعنى التقوى بقوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 3 - 5 ] . وقد بين الشيخ - رحمة اللّه تعالى عليه - معنى التقوى عند قوله تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى [ البقرة : 189 ] . قال : لم يبين هنا من المتقي ، وقد بينه تعالى في قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ