الشنقيطي
54
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] . فالظاهر في الجواب واللّه تعالى أعلم : هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا ، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا ، وذلك كما إذا كانت على المنفق واجبة كنفقة الزوجات ونحوها ، فتبرع بالإنفاق في غير واجب ، وترك الفرض لقوله صلى اللّه عليه وسلم « وابدأ بمن تعول » « 1 » ، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم ، فلا يجوز له ذلك ؟ والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة ، وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال . وأما على القول بأن قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] يعني به الزكاة ، فالأمر واضح ، والعلم عند اللّه تعالى . انتهى منه . والواقع أن للإنفاق في القرآن مراتب ثلاث : الأولى : الإنفاق من بعض المال بصفة عامة ، كما في قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . الثانية : الإنفاق مما يحبه الإنسان ويحرص عليه ، كما في قوله تعالى وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [ البقرة : 177 ] ، وهذا أخص من الأول ، وقوله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [ الإنسان : 8 ] الآية . الثالثة : الإنفاق مع الإيثار على النفس كهذه الآية وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] فهي أخص من الخاص الأول . وتعتبر المرتبة الأولى هي الحد الأدنى في الواجب ، حتى قيل : إن المراد بها الزكاة . وهي تشمل النافلة ، وتصدق على أدنى شيء ولو شق تمرة ، وتدخل في قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، وتعتبر المرتبة الثالثة هي الحد الأقصى ، لأنها إيثار للغير على خاصة النفس ، والمرتبة الثانية هي الوسطى بينهما ، وهي الحد الوسط بين الاكتفاء بأقل الواجب ، وبين الإيثار على النفس وهي ميزان التوسط لعامة الناس ، كما بينه تعالى بقوله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] . وكما امتدح اللّه تعالى قوما بالاعتدال في قوله :
--> ( 1 ) سبق تخريجه .