الشنقيطي

48

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يدعونا إلا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة ، فالشرط المذكور في قوله : إِذا دَعاكُمْ [ الأنفال : 24 ] متوفر في دعاء النّبي صلى اللّه عليه وسلم لمكان عصمته ، كما دل عليه قوله تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) [ النجم : 3 - 4 ] . والحاصل : أن آية إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ الأنفال : 24 ] مبينة أنه لا طاعة إلا لمن يدعو إلى ما يرضي اللّه ، وأن الآيات الأخر بينت أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم لا يدعو أبدا إلا إلى ذلك ، صلوات اللّه وسلامه عليه . انتهى . وقد بينت السنة كذلك حقيقة ومنتهى ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « ما تركت خيرا يقربكم إلى اللّه إلا بينته لكم وأمرتكم به ، وما تركت شرا يباعدكم عن اللّه إلا بينته لكم ، وحذرتكم منه ونهيتكم عنه » « 1 » . تنبيه الواقع أن العمل بهذه الآية الكريمة هو من لوازم نطق المسلم بالشهادتين . لأن قوله : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، اعتراف للّه تعالى بالألوهية وبمستلزماتها ، ومنها إرسال الرسل إلى خلقه ، وإنزال كتبه وقوله : أشهد أن محمدا رسول اللّه ، اعتراف برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم من اللّه لخلقه ، وهذا يستلزم الأخذ بكل ما جاء به هذا الرسول الكريم من اللّه سبحانه وتعالى ، ولا يجوز أن يعبد اللّه إلا بما جاءه به رسول اللّه ، ولا يحق له أن يعصي اللّه بما نهاه عنه رسول اللّه ، فهي بحق مستلزمة للنطق بالشهادتين . ويؤيد هذا قوله تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ النساء : 59 ] فربط مرد الخلاف إلى اللّه والرسول بالإيمان باللّه واليوم الآخر . وقال الشيخ رحمه اللّه عند هذه الآية في سورة النساء : أمر اللّه في هذه الآية الكريمة بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه ، أن يرد التنازع في ذلك إلى كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه تعالى قال : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] انتهى . فاتضح بهذا كله أن ما أتانا به صلى اللّه عليه وسلم فهو من عند اللّه ، وأنه بمنزلة القرآن في التشريع ، وأن السنة تستقل بالتشريع كما جاءت بتحريم لحوم الحمر الأهلية . وكل ذي

--> ( 1 ) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ، كتاب الجامع حديث 20100 .