الشنقيطي

41

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

في أمر يمس الوتر الحساس في النفس ، وهو موطن الشح والحرص ، ألا وهو كسب المال الذي هو صنو النفس ، والذي تولى اللّه قسمته في أهم من ذلك ، وهو في الميراث . قسمه تعالى مبينا فروضه ، وحصة كل وارث ، لأنه كسب بدون مقابل ، وكسب إجباري . والنفوس متطلعة إليه فتولاه اللّه تعالى ، وكذلك الفيء والغنيمة ، وحرم الغلول فيه قبل القسمة . ومثل هذا المال هو الذي ألفوا قسمته مغنما ، والذي بذلوا النفوس والمهج قبل الوصول إليه ، فإذا بهم يمنعون منه ، ويحال بينهم وبينه ، فيقسم المنقول فقط ، ولا يقسم العقار الثابت ، ويقال لهم : حدث هذا كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [ الحشر : 7 ] ، سواء الأغنياء بأبدانهم وقدرتهم على العمل وعلى الجهاد أو الأغنياء بأموالهم بما حصلوه من مغانم قبل ذلك . وكان لا بد لنفوسهم من أن تتحرك نحو هذا المال ، وفعلا ناقشوا عمر رضي اللّه عنه فيه ، ولكن هنا يأتي سوط الطاعة المسلت ، وأمر التشريع المسكت إنه عن اللّه أتاكم به رسول اللّه : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ [ الحشر : 7 ] فإن الآية وإن كانت عامة في جميع التشريع إلا أنها هنا أخص ، وهي به أقرب ، والمقام إليها أحوج . وهنا ينتقل بنا القول إلى ما آتانا به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وفي هذا المعنى بالذات أي : معنى المشاركة في الأموال . لقد جاء صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة والأنصار يؤثرون المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، وقد أعانهم اللّه على شح نفوسهم ، فمجتمعهم مجتمع بذل وإعطاء وتضحية وإيثار ، ومع هذا فقد كان منه صلى اللّه عليه وسلم أن يأتيه الضيف فلا يجد له قرى في بيته ، فيقول لأصحابه : « من يضيف هذا ، الليلة وله الجنة ؟ » « 1 » فيأخذه بعض أصحابه ، ويأتيه فقراء المهاجرين يطلبونه ما يحملهم عليه في الجهاد ، فيعتذر إليهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه ، فيتولون وأعينهم تفيض من الدمع حزنا : ألا يجدوا ما يحملهم عليه ، ويأتيه القدح من اللبن ، فيدعو : يا أهل الصفة . ليشاركوه إياه لقلة ما عندهم ، وأبو هريرة

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في التفسير حديث 4889 ، ومسلم في الأشربة حديث 172 .