الشنقيطي

402

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فتتجه بقوة اليقين وشدة الضراعة إلى السماء وتتوجه بكليتها ، وإحساسها بقلبها وقالبها إلى اللّه . فيأتيها الغوث الأعظم سقيا لها وللمسلمين من بعدها . فكان ذلك درسا عمليا ظل إحياؤه تجديدا له . وهكذا النحر ، وقصة الفداء لما كان فيه درس الأمة لأفرادها وجماعتها في أسرة كاملة . والد ووالدة ، وولد كل يسلم قياده لأمر اللّه ، وإلى أقصى حد التضحية حينما قال إبراهيم لإسماعيل ما قصه تعالى علينا يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى [ الصافات : 102 ] . إنه حدث خطير وأي رأي للولد في ذبح نفسه ، ولكنه التمهيد لأمر اللّه ، فكان موقف الولد لا يقل إكبارا عن موقف الوالد : يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصافات : 102 ] ولم يكن ذلك عرضا وقبولا فحسب ، بل جاء وقت التنفيذ إلى نقطة الصفر ، كما يقال : والكل ماض في سبيل التنفيذ ، فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [ الصافات : 103 ] ، يا له من موقف يعجز كل بيان عن تصويره ويئط كل قلم عن تفسيره ، ويثقل كل لسان عن تعبيره ، شيخ في كبر سنه يحمل سكينا بيده ويتل ولده وضناه بالأخرى ، كيف قويت يده على حمل السكين ، وقويت عيناه على رؤيتها في يده ، وكيف طاوعته يده الأخرى على تل ولده على جبينه ؟ إنها قوة الإيمان وسنة الالتزام ، وها هو الولد مع أبيه طوع يده ، يتصبر لأمر اللّه ويستسلم لقضاء اللّه سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ والموقف الآن والد بيده السكين ، وولد ملقى على الجبين ، ولم يبق إلا توقف الأنفاس للحظة التنفيذ ، ولكن رحمة اللّه أوسع وفرجه من عنده أقرب ، وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ الصافات : 104 - 105 ] . فكانت مناسبة عظيمة وفائدتها كبيرة خلدها الإسلام في الهدى والضحية . وفي رمي الجمار ، إلى آخره ، وهكذا كلها في مناسك وعبادة وقربة إلى اللّه تعالى في تجرد وانقطاع ، ودوام ذكر للّه تعالى . وهناك أحداث جسام ومناسبات عظام ، لا تقل أهمية عن سابقاتها ، ولكن لم يجعل لها الإسلام أي ذكرى ، كما في صلح الحديبية .