الشنقيطي
398
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ولهذا قيل لأحمد : إن بعض الأمراء ينفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك ، فقال : دعه ، فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب ، أو كما قال ، مع أن مذهبه : أن زخرفة المصاحف مكروهة ، فمثل هؤلاء إن لم يفعلوا هذا ، وإلا اعتاضوا عنه الفساد الذي لا صلاح فيه مثل أن ينفقها في كتب فجور ، ككتب الأسمار والأصفار أو حكمة فارس والروم . ومراتب الأعمال ثلاث : إحداها العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه . والثانية : العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها ، إما لحسن القصد ، أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع . والثالثة : ما ليس فيه صلاح أصلا . فأما الأولى : فهي سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهي أعمال السابقين الأولين . وأما الثانية فهي كثيرة جدا في طرق المتأخرين من المنتسبين . إلى علم أو عبادة ، ومن العامة أيضا ، وهؤلاء خير مما لا يعمل عملا صالحا مشروعا ولا غير مشروع ، ومع هذا فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له في ظاهر الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر ، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين ، فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها والعمل بها اه . لقد عالج رحمه اللّه هذه المسألة بحكمة الداعي وسياسة الدعوة مما لا يدع مجالا للكلام فيها . ولكن قد حدث بعده رحمه اللّه أمور لم تكن من قبل ابتلى بها العالم الغربي ، وغزا بها العالم الشرقي ، ولبس بها على المسلمين ، وهي تلك المبادئ الهدامة والغزو الفكري ، وإبراز شخصيات ذات مبادئ اقتصادية أو فلسفي ، ارتفع شأنها في قومهم ونفثت سمومهم إلى بني جلدتنا ، وصاروا يقيمون لهم الذكريات ويقدمون عنهم الدراسات جهلا أو تضليلا فقام من المسلمين من يقول : نعلم أن المولد ليس سنة نبوية ولا طريقا سلفيا ولا عمل القرون للشهود لها بالخير ، وإنما نريد مقابلة الفكرة بالفكرة والذكريات بالذكرى ، لنجمع شباب المسلمين على سيرة سيد المرسلين ، ويكون ذلك من باب : يحدث للناس من الأحكام بقدر ما أحدثت من البدع إلى آخره .