الشنقيطي
39
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ليكون لهم بلغة يعيشون بها جدا بين الأغنياء يتكاثرون به ، أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم . ومعنى الدولة الجاهلية : أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة ، لأنهم أهل الرئاسة والغلبة والدولة ، وكانوا يقولون : من عزّ بزّ ، والمعنى : كيلا يكون أخذه غلبة أثرة جاهلية ، ومنه قول الحسن : اتخذوا عباد اللّه خولا ومال اللّه دولا ، يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به . إلخ . والجدير بالذكر هنا : أن دعاة بعض المذاهب الاقتصادية الفاسدة ، يحتجون بهذا الآية على مذهبهم الفاسد ويقولون : يجوز للدولة أن تستولي على مصادر الإنتاج ورؤوس الأموال ، لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء ، وما يسمونهم طبقة العمال ، وهذا على ما فيه من كساد اقتصادي ، وفساد اجتماعي ، قد ثبت خطؤه ، وظهر بطلانه مجانبا لحقيقة الاستدلال . لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامة . من الإنفاق على المجاهدين ، وتأمين الغزاة في الحدود والثغور ، وليس يعطي للأفراد كما يقولون ، ثم - هو أساسا - مال جاء غنيمة للمسلمين ، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه . ولما كان مال الغنيمة ليس ملكا لشخص ، ولا هو أيضا كسب لشخص معين . تحقق فيه العموم في مصدره ، وهو الغنيمة ، والعموم في مصرفه ، وهو عموم مصالح الأمة ، ولا دخل ولا وجود للفرد فيه ، فشتان بين هذا الأصل في التشريع وهذا الفرع في التضليل . ومن المؤسف أنهم يؤيدون دعواهم بإقحام الحديث في ذلك ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « المسلمون شركاء في ثلاث : الماء والنار والكلأ » « 1 » ، ومعلوم أن الشركة في هذه الثلاثة - ما دامت على عمومها - فالماء شركة بين الجميع ما دام في مورده من النهر أو البئر العام أو السيل أو الغدير . أما إذا انتقل من مورده العام وأصبح في حيازة ما ، فلا شركة لأحد فيه مع من حازه ، كمن ملأ إناء من النهر أو السيل ونحوه ، فما كان في إنائه فهو خاص به ، وهذا الكلأ ما دام عشبا في الأرض العامة - لا في ملك إنسان معين - فهو عام لمن سبق إليه ، فإذا ما احتشه إنسان وحازه ، فلا شركة لأحد فيه ،
--> ( 1 ) أخرجه : أبو داود في البيوع والإجارات حديث 3477 ، وابن ماجة في الرهون حديث 2472 ، وأحمد في المسند 5 / 364 .