الشنقيطي
372
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [ 6 ] . أي ما تنشأه من قيام الليل أشد مواطأة للقلب وأقوم قيلا في التلاوة والتدبر والتأمل ، وبالتالي بالتأثر ، ففيه إرشاد إلى ما يقابل هذا الثقل فيما سيلقى عليه من القول ، فهو بمثابة التوجيه إلى ما يتزود به لتحمل ثقل أعباء الدعوة والرسالة . وقد سمعت من الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه قوله : لا يثبت القرآن في الصدر ولا يسهل حفظه وييسر فهمه إلا القيام به من جوف الليل ، وقد كان رحمه اللّه تعالى لا يترك ورده من الليل صيفا أو شتاء ، وقد أفاد هذا المعنى قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] فكان صلى اللّه عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة « 1 » . وهكذا هنا فإن ناشئة الليل كانت عونا له صلى اللّه عليه وسلم على ما سيلقى عليه من ثقل القول . مسألة قيل : إن قيام الليل كان فرضا عليه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن تفرض الصلوات الخمس لقوله تعالى : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [ الإسراء : 79 ] والنافلة الزيادة ، وقيل : كان فرضا عليه صلى اللّه عليه وسلم وعلى عامة المسلمين ، لقوله تعالى في هذه السورة : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [ المزمل : 20 ] ثم خفف هذا كله بقوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ إلى قوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً [ المزمل : 20 ] . ولكنه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا عمل عملا دوام عليه ، فكان يقوم الليل شكرا للّه كما في حديث عائشة رضي اللّه عنها « أفلا أكون عبدا شكورا » « 2 » وبقي سنة لغيره بقدر ما يتيسر لهم . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) أخرجه عن حذيفة بن اليمان ، ابن جرير الطبري في جامع البيان 1 / 205 . ( 2 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في التفسير حديث 4837 ، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم حديث 81 ، وأخرجه عن المغيرة بن شعبة : البخاري في التفسير حديث 4836 ، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم حديث 79 و 80 .