الشنقيطي

334

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الإسراء : 1 ] فخص بكونه مسرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليه وبالبركة حوله وأري صلى اللّه عليه وسلم فيه من آيات ربه . وقد كان من الممكن أن يعرج به إلى السماء من جوف مكة ، ومن المسجد الحرام ، ولكن ليريه من آيات اللّه كعلامات الطريق لتكون دليلا له على قريش في إخباره بالإسراء والمعراج ، وتقديم جبريل له الأقداح الثلاثة بالماء واللبن والخمر ، واختياره اللبن رمزا للفطرة . واجتماع الأنبياء له والصلاة بهم في المسجد الأقصى ، بينما رآهم في السماوات السبع ، وكل ذلك من آيات اللّه أريها صلى اللّه عليه وسلم في المسجد الأقصى ، والمسجد النبوي ، ومسجد قباء ، فمسجد قباء نزل فيه قوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [ التوبة : 108 ] . فجاء في صحيح مسلم أن أبا سعيد سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي مسجد أسس على التقوى من أول يوم ؟ فأخذ صلى اللّه عليه وسلم حفنة من الحصباء وضرب بها أرض مسجده ، وقال : « مسجدكم هذا » « 1 » . وجاء في بلوغ المرام وغيره : حديث ابن عباس رضي اللّه عنه أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم سأل أهل قباء فقال : « إن اللّه يثني عليكم » فقالوا إنا نتبع الحجارة الماء ، رواه البزار بسند ضعيف . قال في سبل السلام : وأصله في أبي داود والترمذي في السنن عن أبي هريرة عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « نزلت هذه الآية في أهل قباء : » فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [ التوبة : 108 ] . قال ابن حجر : وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه بدون ذكر الحجارة . وقال صاحب وفاء الوفاء : وروى ابن شيبة من طرق : ما حاصله أن الآية لما نزلت أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل قباء . وفي رواية : أهل ذلك المسجد .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 514 .