الشنقيطي
327
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يؤمن معه إلا القليل . ولذا كان قول نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [ نوح : 27 ] ، كان بدليل الاستقراء من قومه ، والعلم عند اللّه تعالى . وقوله تعالى : وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) [ نوح : 26 ] ، لم يبين هنا هل استجيب له أم لا ؟ وبينه في مواضع أخر منها قوله : وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ [ الأنبياء : 76 ] . وفي هذه السورة نفسها وقبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً [ نوح : 25 ] فجمع اللّه لهم أقصى العقوبتين الإغراق والإحراق ، مقابل أعظم الذنبين الضلال والإضلال . وكذلك بين تعالى كيفية إهلاك قومه ونجاته هو وأهله ومن معه في قوله : فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 10 - 14 ] الآية . قال ابن كثير : لقد أغرق اللّه كل من على وجه الأرض من الكفار ، حتى ولد نوح من صلبه . وهنا تنبيه على قضية ولد نوح في قوله يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا إلى قوله فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [ هود : 42 - 43 ] لما أخذت نوحا العاطفة على ولده قال : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي إلى قوله : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [ هود : 45 - 46 ] أثار بعض الناس تساؤلا حول ذلك في قراءة إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] ، إنه عمل ماضي يعمل أي بكفره . وتساءلوا حول صحة نسبه ، والحق أن اللّه تعالى قد عصم نساء الأنبياء إكراما لهم ، وأنه ابنه حقا ، لأنه لما قال إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [ هود : 45 ] تضمن هذا القول أمرين نسبته إليه في بنوته . ثانيا : نسبته إليه في أهله ، فكان الجواب عليه من اللّه بنفي النسبة الثانية لا الأولى ، إنه ليس من أهلك . ولم يقل : إنه ليس ابنك ، والأهل أعم من الابن ، ومعلوم أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، والعكس بالعكس ، فلما نفى نسبته إلى أهله علمنا أن نسبته إليه بالبنوة باقية ، ولو لم يكن ابنه لصلبه لكان النفي ينصب عليها . ويقال : إنه ليس ابنك ، وإذا نفى عنه البنوة انتفت عنه نسبته إلى أهله ، وكذلك