الشنقيطي

320

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

هي المبينة في قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 12 - 14 ] . وهذا مروي معناه عن ابن عباس . قاله ابن كثير « 1 » والقرطبي « 2 » . وقيل أطوارا : شبابا وشيوخا وضعفاء . وقيل أطوارا : أي أنواعا صحيحا وسقيما وبصيرا وضريرا وغنيا وفقيرا . وقيل أطوارا : اختلافهم في الأخلاق والأفعال . قاله القرطبي . ولكن كما قدم الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه . أنه إذا تعددت الأقوال في الآية وكان فيها قرينة دالة على أحد الأقوال فإنه يبينه ، وهنا قرينة في الآية على أن المراد هو الأول وإن كان الجميع صحيحا ، والقرينة هي أن الآية في قضية الخلق وهو الإيجاد الأول ، لأن ما بعد الإيجاد صفات عارضة . وقد جاء نظير الآية في سورة المؤمنون كما قدمنا ، وقد ذيلت بقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] . ومنها أن الآية سيقت في الدلالة على قدرة اللّه على بعثهم بعد موتهم لمجازاتهم ، فكان الأنسب بها أن يكون متعلقها كمال الخلقة والقدرة على الإيجاد . والأنسب لهذا المعنى هو خلقهم من نطفة أمشاج وماء مهين ، ثم تطويرها إلى علقة ، ثم تطوير العلقة مضغة ، ثم خلق المضغة عظاما ، ثم كسو العظام لحما . ثم نشأته نشأة أخرى . إنها قدرة باهرة وسلطة قاهرة . ومثله في الواقعة : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ [ الواقعة : 58 - 59 ] . وفي الطور في أصل الخلقة : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ [ الطور : 35 ] .

--> ( 1 ) التفسير 4 / 426 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 18 / 303 .