الشنقيطي

268

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النحل : 126 - 127 ] إلى آخر الآية ، فقد بين تعالى خلقا فاضلا عاما للأمة في حسن المعاملة والصفح . ثم خص النّبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : وَاصْبِرْ * أي لا تعاقب انتقاما ولو بالمثلية ولكن اصبر ، وقد كان منه صلى اللّه عليه وسلم مصداق ذلك في رجوعه من ثقيف حينما آذوه وجاءه جبريل عليه السلام ، ومعه ملك الجبال يأتمر بأمره إلى أن قال : لا ، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون . . إني لأرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يؤمن باللّه فقد صفح وصبر ورجى من اللّه إيمان من يخرج من أصلابهم . وهذا أقصى درجات الصبر والصفح وأعظم درجات الخلق الكريم . قوله تعالى : لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [ 49 ] . بين تعالى أنه لم ينبذ بالعراء على صفة مذمومة ، بل إنه تعالى أنبت عليه شجرة تظلّه وتستره ، كما في قوله تعالى : وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [ الصافات : 146 ] . قوله تعالى : فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [ 50 ] . بينه تعالى بقوله : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 148 ) [ الصافات : 147 - 148 ] . قوله تعالى : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 ) [ 51 - 52 ] . فيه عود آخر السورة على أولها . وأن الكفار إذا سمعوا الذكر شخصت أبصارهم نحو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويرمونه بالجنون . والرد عليهم بأن هذا الذي سمعوه ليس بهذيان المجنون ، وما هو إلا ذكر للعالمين ، وفيه ترجيح القول بأن المراد بنعمة ربك في أول السورة ، إنما هي ما أوحاه إليه من الذكر .