الشنقيطي
266
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ( 12 ) [ الحجرات : 11 - 12 ] . قوله تعالى : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [ 9 ] . ذكر القرطبي لمعاني المداهنة فوق عشرة أقوال أرجحها الملاينة ، وقد ذكر هنا ودادتهم وتمنيهم المداهنة ، ولم يذكر لنا هل داهنهم صلى اللّه عليه وسلم أم لا ؟ وهل يريدون بذلك مصلحة أم لا ؟ وقد جاء بيان ذلك مفصلا بأنهم أرادوا التدرج من المداهنة وملاينته صلى اللّه عليه وسلم معهم إلى ما بعدها من تعطيل الدعوة . وقد رجح ابن جرير ذلك بقوله : ود هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادتك إلهك ، كما قال جل ثناؤه : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [ الإسراء : 74 ] اه . ويشهد لما قاله ابن جرير هذا ما جاء في سبب نزول سورة الكافرون . فأنزل اللّه تعالى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ [ الكافرون : 1 - 3 ] السورة . ومما هو صريح في قصدهم بالمداهنة والدافع عليها والجواب عليهم قد جاء موضحا في قوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [ البقرة : 109 ] ، ثم قال تعالى مبينا موقف الرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من هذه المحاولة بقوله : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [ البقرة : 109 ] . وقد جاء اللّه بأمره حكما بينه وبينهم ، وهنا يمكن أن يقال : إن كل مداهنة في الدين مع المشركين تدخل في هذا الموضوع . وقد جاء بعد قوله تعالى : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ إشارة إلى أنهم لا يطاعون في مداهنتهم ، وأنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لترويج مداهنتهم ولو بكثرة الحلف ، وفرق بين المداهنة في الدين ، والملاطفة في الدنيا أو التعاون وتبادل المنافع الدنيوية ، كما قدمنا عند قوله تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ