الشنقيطي
259
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
المجنون سفيه لا يعني ما يقول ولا يحسن أي تصرف . والخلق العظيم أرقى منازل الكمال في عظماء الرجال . وقوله تعالى : وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ، المن : القطع . أي إن أجره صلى اللّه عليه وسلم عند اللّه غير منقطع . قال الشاعر : لمقفر قهر تنازع شلوه * عبس كواسب لا يمن طعامها وقد بين تعالى دوام أجره دون انقطاع في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ الأحزاب : 56 ] . وصلوات اللّه تعالى عليه وصلوات الملائكة والمؤمنين لا تنقطع ليلا ولا نهارا وهي من اللّه تعالى رحمة ، ومن الملائكة والمؤمنين دعاء . وفي سورتي : الضحى وألم تشرح ، بكاملها ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ الضحى : 3 - 5 ] . وقوله : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ( 4 ) [ الشرح : 4 ] . ومعلوم من السنة أن من دل على خير فله مثل من عمل به ، فما من مسلم تكتب له حسنة في صحيفته إلا وللرسول صلى اللّه عليه وسلم مثلها . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث » . ومنها : « أو علم ينتفع به » « 1 » . وأي علم أعم نفعا مما جاء به صلى اللّه عليه وسلم وتركه في الأمة حتى قال : « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب اللّه وسنتي » « 2 » إلى غير ذلك من النصوص الدالة على دوام أجره . أما جزاؤه عند اللّه فلا يقدر قدره إلا اللّه تعالى . وقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ تقدم أن هذه بمثابة الرد على ادعاء المشركين أولا عليه صلى اللّه عليه وسلم ورميه بالجنون . لأن أخلاق المجانين مذمومة بل لا أخلاق
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : مسلم في الوصية حديث 14 ، وأبو داود في الوصايا حديث 2880 ، والترمذي في الأحكام حديث 1376 . ( 2 ) سبق تخريجه .