الشنقيطي

212

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ثم قال : فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) [ الإنسان : 2 ] وهما حاستا الإدراك والتأمل ، فقال : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [ الإنسان : 3 ] مع استعداده للقبول والرفض . وقوله : إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) [ الإنسان : 3 ] مثل قوله هنا : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] أي بعد التأمل والنظر وهداية السبيل بالوحي ، ولذا جاء في هذا السياق من هذه السورة : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا [ التغابن : 8 ] . وبكل ما تقدم في الجملة يظهر لنا أن اللّه خلق الإنسان من نطفة ثم جعل له سمعا وبصرا ونصب الأدلة على وجوده وقدرته على بعث الموتى ، ومن ثم مجازاتهم على أعمالهم وأرسل إليه رسله وهداه النجدين ، ثم هو بعد ذلك إما شاكرا وإما كفورا ولو احتج إنسان في الدنيا بالقدر لقيل له : هل عندك علم بما سبق في علم اللّه عليك ، أم أن اللّه أمرك ونهاك وبين لك الطريق . وعلى كل ، فإن قضية القدر من أخطر القضايا وأغمضها ، كما قال علي رضي اللّه عنه : القدر سرّ اللّه في خلقه . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا ذكر القضاء فأمسكوا » « 1 » ، ولكن على المسلم النظر فيما أنزل اللّه من وحي وبعث من رسل . وأهم ما في الأمر هو جري الأمور على مشيئة اللّه وقد جاء موقف عملي في قصة بدر ، يوضح حقيقة القدر ويظهر غاية العبر في قوله تعالى : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [ الأنفال : 43 ] . فهو تعالى الذي سلم من موجبات التنازع والفشل بمقتضى علمه بذات الصدور . ثم قال : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) [ الأنفال : 44 ] ، فقد أجرى الأسباب على مقتضى إرادته فقلل كلا من الفريقين في أعين الآخر ليقضي اللّه أمرا كان في سابق علمه مفعولا ، ثم بين المنتهى ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا

--> ( 1 ) أخرجه عن ثوبان الطبراني في المعجم الكبير حديث 1427 ، وعن ابن مسعود حديث 10448 .