الشنقيطي
209
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
خلق له » « 1 » اه . ومن المعلوم أن هذا النص من مأزق القدرية والجبرية ، وأن أهل السنة يؤمنون أن كلا بقدر اللّه ومشيئته . كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية : وهم أهل السنة وسط بين قول : إن العبد مجبور على عمله لا اختيار له كالورقة في مهب الريح . وبين قول : إن العبد يخلق فعله بنفسه ويفعل ما يريد بمشيئته . وأهل السنة يقولون بقوله تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ التكوير : 28 - 29 ] . وقد ذكر القرطبي أقوال الطائفتين من أهل العلم ، ولكل طائفة ما استدلت به ، الأولى عن ابن مسعود أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خلق اللّه فرعون في بطن أمه كافرا ، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا » « 2 » . بما في الصحيح من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع أو باع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » « 3 » . وقال : قال علماؤنا : تعلق العلم الأزلي بكل معلوم . فيجري ما علم وأراد وحكم . الثانية ما جاء في قوله : وقال جماعة من أهل العلم : إنّ اللّه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا . قالوا : وتمام الكلام : وهو الذي خلقكم ، ثم وصفهم فقال : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ . وكقوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [ النور : 45 ] ، قالوا فاللّه خلقهم والمشي فعلهم . واختاره الحسين بن الفضل ، قال : لأنه لو خلقهم كافرين ومؤمنين لما وصفهم
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير حديث 10543 . ( 3 ) أخرجه عن ابن مسعود : البخاري في بدء الخلق حديث 3208 ، ومسلم في القدر حديث 1 .