الشنقيطي
202
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تنبيه في هذه الآية مبحث بلاغي في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء فقالوا : الخبر ما احتمل الصدق والكذب لذاته ، فذهب الجمهور إلى أنه ينحصر فيهما بلا واسطة ، والمخبر إما صادق وإما كاذب . وهذا بناء على مطابقة الخبر للواقع أو عدم مطابقته ولا علاقة له بالاعتقاد . قال السعد في التلخيص ، وقال بعض الناس : صدق الخبر وكذبه مطابقته لاعتقاد المخبر لا للواقع . واستدلوا لذلك بأن عدم مطابقته للواقع يكون من قبيل الخطأ لا من قبيل الكذب . ولحديث عائشة رضي اللّه عنها عن عمر : « ما كذب ولكنه وهم » « 1 » ، وهذا مذهب الجاحظ وهو صدق الخبر مطابقته للواقع مع اعتقاد المخبر مستدلا بالآية وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ مع قولهم : إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ . فكذبهم اللّه مع أن خبرهم مطابق للواقع ، لكنهم لم يعتقدوا ما قالوا فكذبهم اللّه لذلك . ومقتضى مذهب الجاحظ القول بوجود واسطة بين الصدق والكذب ، وهي عدم اعتقاد المخبر لما أخبر به ، ولو طابق الواقع ، ولكن ما قدمناه من كلام أبي حيان يرد هذا المذهب ويبطل استدلال الجاحظ ومن وافقه بالآية ، لأن تكذيب اللّه إياهم منصب على قولهم قالوا نشهد ، والشهادة أخص من الخبر ، ولأنهم ضمنوا شهادتهم التأكيد المشعر بالقسم والموحي بمطابقة القول لما في القلب ولا سيّما في هذا المقام ، وهو مقام الإيمان والتصديق ، فأكذبهم اللّه في كون إخبارهم بصورة الشهادة والحال أنهم لم يأتوا بالشهادة على وجهها وهو عدم مطابقتها لاعتقادهم . والقرآن ينفي وجود واسطة بين الصدق والكذب كما في قوله تعالى : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [ يونس : 32 ] . أما فقه اليمين وما تنعقد به وأحكامها ، فقد تقدم للشّيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه هذا المبحث مستوفى في سورة المائدة عند قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [ المائدة : 89 ] الآية . وذكر في معنى لغو اليمين عند العلماء قولين :
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة مسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث 295 .