الشنقيطي
20
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
على بعير ما شاءوا من المتاع إلا الحلقة ، فكانوا يحملون كل ما استطاعوا ولو أبواب المنازل ، يخربون بيوتهم ويحملون ما استطاعوا معهم . وقد أوردنا مجمل هذه القصة في سبب نزول هذه السورة لأن عليها تدور معاني هذه السورة كلها ، وكما قال الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه اللّه في رسالة أصول التفسير : إن معرفة السبب تعين على معرفة التفسير ( وليعلم المسلمون مدى ما جبل عليه اليهود من غدر وما سلكوا من أساليب المراوغة فما أشبه الليلة بالبارحة ) . والذي من منهج الشيخ رحمه اللّه في الأضواء قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ حيث أسند إخراجهم إلى اللّه تعالى مع وجود حصار المسلمين إياهم . وقد تقدم للشيخ رحمه اللّه نظيره عند قوله تعالى : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً [ الأحزاب : 25 ] ، قال رحمه اللّه تعالى عندها : ذكر جل وعلا أنه وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ الآية . ولم يبين السبب الذي ردهم به . ولكنه جل وعلا بين ذلك بقوله : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ الأحزاب : 9 ] ا ه . وهنا أيضا في هذه الآية أسند إخراجهم إليه تعالى مع حصار المسلمين إياهم ، وقد بين تعالى السبب الحقيقي لإخراجهم في قوله تعالى : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [ الحشر : 2 ] ، وهذا من أهم أسباب إخراجهم ، لأنهم في موقف القوة وراء الحصون ، لم يتوقع المؤمنون خروجهم ، وظنوا هم أنهم ما نعتهم حصونهم من اللّه فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا وقد كان هذا الإخراج من اللّه إياهم بوعد سابق من اللّه لرسوله في قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 ) [ البقرة : 137 ] . وبهذا الإخراج تحقق كفاية اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم منهم ، فقد كفاه إياهم بإخراجهم من ديارهم ، فكان إخراجهم حقا من اللّه تعالى : وبوعد مسبق من اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم . وقد أكد هذا بقوله تعالى مخاطبا للمسلمين في خصوصهم : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) [ الحشر : 6 ] وتسليط الرسول صلى اللّه عليه وسلم هو بما بين صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « نصرت بالرعب مسيرة شهر » « 1 » وهو ما
--> ( 1 ) سبق تخريجه .