الشنقيطي
199
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] اه . أي أن هذه الأمثلة كلها يذكر فيها أمران ، ويعود الضمير على واحد منهما . وبناء على جواب الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه ، يمكن القول بأن عود الضمير على أحد المذكورين ، إما لتساويهما في المصادق ، وإما لمعنى زائد فيما عاد عليه الضمير . فمن المتساويين قوله تعالى : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً لتساويهما في النهي والعصيان ، ومما له معنى زائد قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وإنها أي الصلاة ، لأنها أخص من عموم الصبر ، ووجود الأخص يقتضي وجود الأعم دون العكس ، ولأن الصلاة وسيلة للصبر ، كما في الحديث : « كان صلى اللّه عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة » « 1 » . وكذلك قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها أي الفضة ، لأن كنز الفضة أوفر ، وكانزوها أكثر فصورة الكنز حاصلة فيها بصفة أوسع ، ولدى كثير من الناس ، فكان توجيه الخطاب إليهم أولى ، ومن ناحية أخرى لما كانت الفضة من الناحية النقدية أقل قيمة ، والذهب أعظم ، كان في عود الضمير عليها تنبيه بالأدنى على الأعلى ، فكأنه أشمل وأعم ، وأشد تخويفا لمن يكنزون الذهب . أما الآية هنا ، فإن التوجيه الذي وجهه الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه ، لعود الضمير على التجارة ، فإنه في السياق ما يدل عليه ، وذلك في قوله تعالى بعدها : قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ ، فذكر السببين المتقدمين لانفضاضهم عنه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم عقبه بقوله تعالى ، بالتذييل المشعر بأن التجارة هي الأصل بقوله : وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) ، والرزق ثمرة التجارة . فكان هذا بيانا قرآنيا لعود الضمير هنا على التجارة دون اللهو . والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه قال أبو حيان عن ابن عطية : تأمل إن قدمت التجارة على اللهو في الرؤية ، لأنها أهم وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولا على الأبين اه .
--> ( 1 ) أخرجه : أبو داود في الأدب حديث 4985 و 4986 ، وأحمد في المسند 5 / 364 ، 371 .