الشنقيطي
177
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وروي أيضا عن سالم أنه قال : ما سمعت عمر قط يقرؤها إلا فامضوا . وبوب له البخاري قال باب قوله : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [ الجمعة : 3 ] وقرأ عمر فامضوا وذكر القرطبي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قرأه فامضوا إلى ذكر الله ، وقال لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي اه . وبالنظر فيما ذكره القرطبي نجد الصحيح قراءة الجمهور لأمرين . الأول : لشهادة عمر نفسه رضي اللّه عنه أن أبيا أقرؤهم وأعلمهم بالمنسوخ ، وإذا كان كذلك فالقول قوله ، لأنه أعلمهم وأقرؤهم . أما قراءة ابن مسعود فقال القرطبي : إن سنده غير متصل ، لأنه عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود ، وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود شيئا اه . وقد اختلف في معنى السعي هنا ، وحاصل أقوال المفسرين فيه على ثلاثة أقوال لا يعارض بعضها بعضا . الأول : العمل لها ، والتهيؤ من أجلها . الثاني : القصد والنية على إتيانها . الثالث : السعي على الأقدام دون الركوب . واستدلوا لذلك بأن السعي يطلق في القرآن على العمل ، قاله الفخر الرازي . وقال : هو مذهب مالك والشافعي ، قال تعالى وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 205 ] ، وقال : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ( 4 ) [ الليل : 4 ] أي العمل . واستدلوا للثاني بقول الحسن : واللّه ما هو بسعي على الأقدام ، ولكن سعي القلوب والنية . واستدلوا للثالث بما في البخاري عن أبي عبس بن جبر واسمه عبد الرحمن ، وكان من كبار الصحابة مشى إلى الجمعة راجلا ، وقال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من اغبرت قدماه في سبيل اللّه حرمه اللّه على النار » « 1 » . ذكره القرطبي « 2 » ، ولم يذكره البخاري في التفسير . وبالتأمل في هذه الأقوال الثلاثة نجدها متلازمة لأن العمل أعم من السعي ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجمعة حديث 907 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 18 / 102 .