الشنقيطي
17
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد قال فيها بعض البلاغيين . إن مستورا هنا بمعنى ساترا ويقال لهم : إن جعل مستورا بمعنى ساتر تكرار لمعنى حجاب ، لأن قوله تعالى : جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً [ الإسراء : 45 ] هو بمعنى ساتر ، أي يستره عن الذين لا يؤمنون بالآخرة وليس في ذلك زيادة معنى ، ولا كبير معجزة ، ولكن الإعجاز في كون الحجاب مستورا عن أعينهم ، وفي هذا تحقيق وجود المعنيين ، وهما حجبه صلى اللّه عليه وسلم وسلم عنهم ، وستر الحجاب عن أعينهم ، وهذا أبلغ في حفظه صلى اللّه عليه وسلم منهم ، لأنه لو كان الحجاب مرئيا أي ساترا فقط مع كونه مرئيا لربما اقتحموه عليه ، وأقوى في الإعجاز ، لأنه لو كان الحجاب مرئيا لكان كاحتجاب غيره من سائر الناس . ولكن حقيقة الإعجاز فيه هو كونه مستورا عن أعينهم ، وهذا ما رجحه ابن جرير . وقد جاءت قصة امرأة أبي لهب مفصلة هذا الذي ذكرناه كما ساقها ابن كثير قال : لما قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورة تبت يدا أبي لهب وتب إلى قوله : وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( 4 ) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ( 5 ) [ المسد : 4 - 5 ] جاءت امرأة أبي لهب وفي يدها فهر ، ولها ولولة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس مع أبي بكر رضي اللّه عنه عند الكعبة فقال له : إني أخاف عليك أن تؤذيك ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى عاصمني منها » ، وتلا قرآنا ، فجاءت ووقفت على أبي بكر وقالت : إن صاحبك هجاني . قال : لا ورب هذه البنية إنه ليس بشاعر ولا هاج ، فقالت : إنك مصدق وانصرفت . أي ولم تره وهو جالس مع أبي بكر رضي اللّه عنه . فهل يقال بعدم وجود الحجاب لأنه مستور لم يشاهد ، أم أننا نثبته كما أخبر تعالى وهو القادر على كل شيء ؟ وعليه وبعد إثباته نقول : ما الفرق بين إثبات حقيقة قوله تعالى هنا : حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) [ الإسراء : 45 ] ، وقوله تعالى : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] ؟ ففي كلا المقامين إثبات أمر لا ندركه بالحس ، فالتسبيح لا نفقهه ، والحجاب لا نبصره . وقد أوردنا هذه النماذج ، ولو مع بعض التكرار ، لما يوجد من تأثر البعض بدعوى الماديين أو العلمانيين ، الذين لا يثبتون إلا المحسوس ، لتعطي القارئ زيادة إيضاح ، ويعلم أن المؤمن بإيمانه يقف على علم ما لم يعلمه غيره ، ويتسع أفقه إلى ما وراء المحسوس ، ويعلم أن وراء حدود المادة عوالم يقصر العقل عن معالمها ، ولكن المؤمن يثبتها .