الشنقيطي

15

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ ( 28 ) [ النمل : 28 ] وكانت سفارة موفقة جاءت بهم مسلمين في قوله تعالى عنها : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ النمل : 44 ] . وكذلك ما جاء عن النملة في قوله تعالى عنها : حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) [ النمل : 18 ] فقد أدركت مجيء الجيش ، وأنه لسليمان وجنوده وأدركت كثرتهم ، وأن عليها وعلى النمل أن يتجنبوا الطريق ، ويدخلوا مساكنهم ، وهذا الإدراك منها جعل سليمان عليه السلام يتبسم ضاحكا من قولها . وأن لها قولا علمه سليمان عليه السلام . فقد جاء في السنة إثبات إدراك الحيوانات للمغيبات فضلا عن المشاهدات ، كما في حديث الموطأ في فضل يوم الجمعة : « وإن فيه خلق آدم ، وفيه أسكن الجنة » إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم « وفيه تقوم الساعة ، وما من دابة في الأرض إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفاقا من الساعة إلا الجن والإنس » « 1 » ، فهذا إدراك وإشفاق من الحيوان ، وإيمان بالمغيب ، وهو قيام الساعة وإشفاق من الساعة أشد من الإنسان . وقصة الجمل الذي ندّ على أهله وخضع له صلى اللّه عليه وسلم حتى قال الصديق : لكأنه يعلم إنك رسول اللّه . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « نعم إنه ما بين لا بتيها إلا وهو يعلم أني رسول اللّه » « 2 » . فهذا كله يثبت إدراكا للحيوان بالمحسوس وبالمغيب إدراكا لا يقل عن إدراك الإنسان ، فما المانع من إثبات تسبيحها حقيقة على ما يعلمه اللّه تعالى منها ؟ وقد جاء النص صريحا في التسبيح المثبت لها في أنه تسبيح تحميد لا مطلق دلالة كما في قوله تعالى : وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [ الرعد : 13 ] ، وقرنه مع تسبيح الملائكة ، وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [ الرعد : 13 ] ، وهذا نص في محل النزاع ، وإثبات لنوع التسبيح المطلوب . خامسا : لقد شهد المسلمون منطق الجماد بالتسبيح وسمعوه بالتحميد حسا كستبيح الحصا في كفه صلى اللّه عليه وسلم ، وكحنين الجذع للنبي صلى اللّه عليه وسلم حتى سمعه كل من في

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة مالك في الجمعة حديث 16 . ( 2 ) أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : أحمد في المسند 3 / 10