الشنقيطي
133
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تصحيحه ومن صححه ويشهد لصحته ما قدمناه من رواية الموطأ بإرادة اتخاذ خشبتين ، فأرى عبد اللّه بن زيد خشبتين الحديث ، وكذلك في الصحيحين إثبات التشاور فيما يعلم به حين الصلاة . ومنها : أنه لا يتعارض مع حديث ابن عمر لأن حديث ابن عمر لم يذكر ألفاظ النداء فيكون الجمع بينهما . إما أن بلالا كان ينادي بغير هذه الصيغة ، ثم رأى عبد اللّه الأذان فعلمه بلالا . وقد يشهد لهذا الوجه ما جاء عن أبي ليلى قال : « أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، وحدثنا أصحابنا أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم قال : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين واحدة ، حتى لقد هممت أن أبث رجالا في الدور ينادون الناس بحين الصلاة ، وحتى هممت أن آمر رجالا يقومون على الآطام ينادون المسلمين حتى نقسوا أو كادوا أن ينقسوا ، فجاء رجل من الأنصار فقال : يا رسول اللّه إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقول الناس لقلت إني كنت يقظان غير نائم . فقال صلى اللّه عليه وسلم « لقد أراك اللّه خيرا فمر بلالا فليؤذن ، فقال عمر : أما إني قد رأيت مثل الذي رأى ولكني لما سبقت استحييت » لأبي داود أيضا « 1 » . ففيه أنه صلى اللّه عليه وسلم كان قد همّ أن يبث رجالا في الدور ، وعلى الأطم ينادون للصلاة ، فيكون نداء بلال أولا من هذا القبيل دون تعيين ألفاظ ، أما أن يكون نداء بلال الوارد في الصحيح بألفاظ الأذان ، الواردة في حديث عبد اللّه بعد أن رأى ما رآه أمره صلى اللّه عليه وسلم أن يعلمه بلالا فنادى به ، ولا تعارض في ذلك كما ترى . ومنها أيضا : أن رؤيا عبد اللّه للأذان لا تجعله مشروعا له من عنده ولا متوقفا عليه ، لأنه جاء في الرؤيا الصالحة أنها جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة . وهذا النظم لألفاظ الأذان لا يكون إلا من القسم فهي بعيدة عن الوساوس والهواجس لما فيها من إعلان العقيدة وإرغام الشيطان كما في الحديث : « إن الشيطان إذا سمع النداء أدبر » « 2 » إلخ .
--> ( 1 ) كتاب الصلاة حديث 506 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الأذان والجماعة حديث 1231 ، ومسلم في الصلاة حديث 16 و 19 ، وأبو داود في الصلاة حديث 516 .