الشنقيطي

116

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

هذا الإجمال في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا [ الأحزاب : 69 ] . وأحال عليه ابن كثير في تفسيره ، وساق حديث البخاري أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن موسى عليه السلام كان حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده ، إما برص وإما أدرة وإما آفة ، وأن اللّه عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا فخلا يوما وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها ، وأن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق اللّه عز وجل وبرأه مما يقولون إلى آخر القصة » « 1 » . ونقله غيره من المفسرين عندها ، وعلى هذا يكون إيذاؤهم إياه إيذاء شخصيا بادعاء العيب فيه خلقة ، وهذا وإن صح في آية الأحزاب لقوله تعالى : فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا ، فإنه لا يصح في آية الصف هذه لأن قول لهم : وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مما يثير إلى أن الإيذاء في جانب الرسالة لا في جانبه الشخصي ، ويرشح له قوله تعالى بعده مباشرة : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ . أي فلما زاغوا بما آذوا به موسى ، فيكون إيذاء قومه له هنا إيذاء زيغ وضلال ، وقد آذوه كثيرا في ذلك كما بينه تعالى في قوله عنهم : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] . وكذلك قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ البقرة : 93 ] . فها هم يؤخذ الميثاق عليهم ويرفع فوقهم الطور ، ويقال لهم : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا فكله يساوي قوله : وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، لأن قد هنا للتحقيق ، ومع ذلك يؤذونه بقولهم : سَمِعْنا وَعَصَيْنا ويؤذونه بأن أشربوا في قلوبهم حب العجل وعبادته بكفرهم ، ولذا قال لهم : بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3404 .