الشنقيطي
107
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
[ النحل : 80 ] أي ليس محرما . ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ المائدة : 3 ] جاء تخصيص هذا العموم بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان : فالجراد والحوت » « 1 » الحديث قال القرطبي « 2 » : جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنّبي صلى اللّه عليه وسلم بالحديبية بعد ، فأقبل زوجها وكان كافرا ، فقال : يا محمد أردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك ، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وقال بعض المفسرين : إنها ليست مخصصة للمعاهدة ، لأن النساء لم يدخلن فيها ابتداء ، وإنما كانت في حق الرجال فقط . وذكر القرطبي « 3 » وابن كثير « 4 » أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت فارّة من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد ، فرد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخويها وحبسها ، فقالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ردها علينا للشرط ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « كان الشرط في الرجال لا في النساء » ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، والذي يظهر واللّه تعالى أعلم أنها مخصصة لمعاهدة الهدنة ، وهي من أحسن الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن ، كما قاله ابن كثير . وقد روي أنها مخصصة عن عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد والزهري ومقاتل بن حيان والسدي . ويدل على أنها مخصصة أمران مذكوران في الآية . الأول منهما : أنها أحدثت حكما جديدا في حقهن وهو عدم الحلية بينهن وبين أزواجهن ، فلا محل لإرجاعهن ، ولا يمكن تنفيذ معاهدة الهدنة مع هذا الحكم فخرجن منها وبقي الرجال . والثاني منهما : أنها جعلت للأزواج حق المعاوضة على ما أنفقوا عليهن ، ولو لم يكن داخلات أولا لما كان طلب المعاوضة ملزما ، ولكنه صار ملزما ، وموجب إلزامه أنهم كانوا يملكون منعهن من الخروج بمقتضى المعاهدة المذكورة ، فإذا خرجن بغير إذن الأزواج كن كمن نقض العهد فلزمهن العوض المذكور . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 18 / 61 . ( 3 ) الجامع لأحكام القرآن 18 / 61 . ( 4 ) جامع البيان 18 / 61 .