الشنقيطي

10

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد جاء الفعل هنا بصيغة الماضي : سبح للّه كما جاء في أول سورة الحديد . قال أبو حيان عندها : لما أمر اللّه تعالى الخلق بالتسبيح في آخر سورة الواقعة ، يعني في قوله تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ( 95 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 96 ) [ الواقعة : 95 - 96 ] جاء في أول السورة التي تليها مباشرة بالفعل الماضي ، ليدل على أن التسبيح المأمور به قد فعله . والتزم به كل ما في السماوات والأرض ا ه . ومعلوم أن الفعل قد جاء أيضا بصيغة المضارع كما في آخر هذه السورة : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) [ الحشر : 24 ] ، وفي أول سورة الجمعة : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) [ الجمعة : 1 ] ، وفي أول سورة التغابن : يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التغابن : 1 ] ، وهذه الصيغة تدل على الدوام والاستمرار . بل جاء الفعل بصيغة الأمر : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) [ الأعلى : 1 ] ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [ الواقعة : 74 ] . وجاءت المادة بالمصدر : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] ، فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ الروم : 17 ] ، ليدل ذلك كله بدوام واستمرار التسبيح للّه تعالى من جميع خلقه ، كما سبح سبحانه نفسه ، وسبحته ملائكته ورسله ، على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانه . وما في قوله تعالى : ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من صيغ العموم ، وأصل استعمالها لغير العقلاء ، وقد تستعمل للعاقل إذا نزل غير العاقل ، كما في قوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] ، ومجيؤها هنا لغير العاقل تغليبا له لكثرته كما تقدم ، فتكون شاملة للعاقل من باب أولى . ومما يلفت النظر أن التسبيح الذي في معرض العموم كله في القرآن مسند إلى « ما » دون « من » إلا في موضع واحد ، هو قوله تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [ الإسراء : 44 ] ، وهذا شاهد على شمول « ما » وعمومها المتقدم ذكرها ، لأنه سبحانه أسند التسبيح أولا إلى السماوات السبع والأرض صراحة بذواتهن ، وهن من غير العقلاء بما في كل منهن من أفلاك وكواكب وبروج ، أو جبال ووهاد وفجاج ، ثم عطف على غير العقلاء بصيغة « من » الخاصة بالعقلاء فقال : وَمَنْ فِيهِنَّ ، وإن كانت