الشنقيطي

534

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

[ الحديد : 23 ] أي بينا لكم أن الأشياء مقدرة مكتوبة قبل وجود الخلق ، وأن ما كتب واقع لا محالة لأجل ألا تحزنوا على شيء فاتكم ، لأن فواته لكم مقدر ، وما لا طمع فيه قل الأسى عليه ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، لأنكم إذا علمتم أن ما كتب لكم من الرزق والخير لا بد أن يأتيكم قل فرحكم به ، وقوله : تأسوا ، مضارع أسى بكسر السين يأسى بفتحها أسى بفتحتين على القياس ، بمعنى حزن ومنه قوله تعالى : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) [ المائدة : 68 ] وقوله : من مصيبة مجرور في محل رفع لأنه فاعل أصاب جز بمن المزيدة لتوكيد النفي ، وما نافية . قوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [ 25 ] . قد قدمنا الكلام عليه في سورة شورى هذا الكلام على قوله : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ ، وقدمنا هناك كلام أهل العلم في معناه . قوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ . بين اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة والتي قبلها ، أن إقامة دين الإسلام تنبني على أمرين : أحدهما هو ما ذكره بقوله وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لأن في ذلك إقامة البراهين على الحق وبين الحجة وإيضاح الأمر والنهي والثواب والعقاب ، فإذا أصر الكفار على الكفر وتكذيب الرسل مع ذلك البيان والإيضاح ، فإن اللّه تبارك وتعالى أنزل الحديد أي خلقه لبني آدم ليردع به المؤمنون الكافرين المعاندين ، وهو قتلهم إياهم بالسيوف والرماح والسهام ، وعلى هذا فقوله هنا : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ توضحه آيات كثيرة ، كقوله تعالى : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ، وقوله تعالى فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 ) ، والآيات في مثل ذلك كثيرة معلومة ، وقوله : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، لا يخفى ما في الحديد من المنافع للناس ، وقد أشار اللّه إلى ذلك في قوله : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ لأن مما يوقد عليه في النار ابتغاء المتاع الحديد . قوله تعالى : فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 26 ) [ 26 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى : وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ [ الزخرف : 28 - 29 ] الآية . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) [ 28 ] .