الشنقيطي
521
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كل ذلك في المعنى سواء بجامع عدم تأتي شرب الماء ، وهذه الآيات المذكورة تدل على شدة حاجة الخلق إلى خالقهم كما ترى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ يدل على أن جميع الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار ونحو ذلك ، أن أصله كله نازل من المزن ، وأن اللّه أسكنه في الأرض وخزنه فيها لخلقه . وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وقوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [ الزمر : 21 ] وقد قدمنا هذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) [ الحجر : 22 ] وفي سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها [ سبأ : 2 ] الآية وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) فلو لا بمعنى هلا ، وهي حرف تحضيض ، وهو الطلب بحث وحض والمعنى أنهم يطلب منهم شكر هذا المنعم العظيم بحث وحض . واعلم أن الشكر يطلق من العبد لربه ومن الرب لعبده . فشكر العبد لربه ، ينحصر معناه في استعماله جميع نعمه فيما يرضيه تعالى ، فشكر نعمة العين ألا ينظر بها إلا ما يرضي من خلقها ، وهكذا في جميع الجوارح ، وشكر نعمة المال أن يقيم فيه أوامر ربه ويكون مع ذلك شاكر القلب واللسان ، وشكر العبد لربه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى هنا : فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) وقوله تعالى وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) [ البقرة : 152 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة . وأما شكر الرب لعبده فهو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل ، ومنه قوله تعالى وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) [ البقرة : 158 ] وقوله تعالى إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) [ فاطر : 34 ] إلى غير ذلك من الآيات . تنبيه لغويّ اعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة ، وإلى المنعم أخرى ، فإن عديت إلى النعمة تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر كقوله تعالى رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [ النحل : 19 ] الآية ، وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام كقولك : نحمد اللّه ونشكر له ، ولم تأت في القرآن معداة إلا باللام ، كقوله وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) وقوله أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [ لقمان : 14 ] وقوله وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) [ البقرة : 172 ] وقوله فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 17 ) [ العنكبوت : 17 ] إلى غير ذلك من الآيات . وهذه هي اللغة الفصحى ، وتعديتها للمفعول بدون اللام لغة لا لحن ، ومن ذلك قول