الشنقيطي

517

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) [ 60 - 61 ] . قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن كثير قَدَّرْنا بتشديد الدال ، وقرأه ابن كثير بتخفيفها ، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها وجهان أو أكثر من التفسير ، ويكون كل ذلك صحيحا ، وكله يشهد له قرآن ، فنذكر الجميع وأدلته من القرآن ، ومن ذلك هذه الآية الكريمة . وإيضاح ذلك أن قوله قَدَّرْنا وجهين من التفسير وفيما تتعلق به عَلى أَنْ نُبَدِّلَ وجهان أيضا ، فقال بعض العلماء : وهو اختيار ابن جرير أن قوله قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ أي قدرنا لموتكم آجالا مختلفة وأعمارا متفاوتة فمنكم من يموت صغيرا ومنكم من يموت شابا ، ومنكم من يموت شيخا . وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة من كتاب اللّه كقوله تعالى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [ الحج : 5 ] وقوله تعالى ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) [ غافر : 67 ] وقوله تعالى وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر : 11 ] وقوله تعالى وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [ المنافقون : 11 ] وقوله وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) أي ما نحن بمغلوبين ، والعرب تقول : سبقه على كذا أي غلبه عليه وأعجزه عن إدراكه أي وما نحن بمغلوبين على ما قدرنا من آجالكم وحددناه من أعماركم فلا يقدر أحد أن يقدم أجلا أخرناه ولا يؤخر أجلا قدمناه . وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة كقوله تعالى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 34 ) [ الأعراف : 34 ] وقوله تعالى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ [ نوح : 4 ] الآية ، وقوله تعالى وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [ آل عمران : 145 ] إلى غير ذلك من الآيات . وعلى هذا القول ، فقوله تعالى : عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ ليس متعلقا بمسبوقين بل بقوله تعالى : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ والمعنى : نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم ، أي نبدل من الذين ماتوا أمثالا لهم نوجدهم . وعلى هذا ، فمعنى تبديل أمثالهم إيجاد آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) [ الأنعام : 133 ] إلى غير ذلك من الآيات .