الشنقيطي
514
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ( 49 ) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 50 ) [ 49 - 50 ] . لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين في الآية المتقدمة ، أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم أن يخبرهم خبرا مؤكدا بأن الأولين والآخرين كلهم مجموعون يوم القيامة للحساب والجزاء بعد بعثهم . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من بعث الأولين والآخرين وجمعهم يوم القيامة جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ [ التغابن : 9 ] ، وقوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [ النساء : 87 ] وقوله تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [ آل عمران : 9 ] الآية ، وقوله تعالى : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [ هود : 103 ] وقوله تعالى : هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ( 38 ) [ المرسلات : 38 ] ، وقوله تعالى : وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) [ الكهف : 47 ] . وقد قدمنا هذا موضحا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى : وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 17 ) [ الحجر : 17 ] . قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ( 51 ) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ( 52 ) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 53 ) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ( 54 ) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ( 55 ) [ 51 - 55 ] . قد قدمنا إيضاح هذا وتفسير في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) [ الصافات : 67 ] . قوله تعالى : هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ( 56 ) [ 56 ] . النزل بضمتين : هو رزق الضيف الذي يقدم له عند نزوله إكراما له ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ( 107 ) [ الكهف : 107 ] ، وربما استعملت العرب النزول في ضد ذلك على سبيل التهكم والاحتقار ، وجاء القرآن باستعمال النزول فيما يقدم لأهل النار من العذاب كقوله هنا : في عذابهم المذكور في قولهم : لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ( 52 ) - إلى قوله - شُرْبَ الْهِيمِ ( 55 ) هذا نُزُلُهُمْ [ الواقعة : 52 - 56 ] أي هذا العذاب المذكور هو ضيافتهم ورزقهم المقدم لهم عند نزولهم في دارهم التي هي النار ، كقوله تعالى للكافر الحقير الذليل : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 ) [ الدخان : 49 ] . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من إطلاق النزول على عذاب أهل النار ، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله في آخر هذه السورة الكريمة : فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ( 93 ) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( 94 ) [ الواقعة : 93 - 94 ] ، وقوله تعالى في آخر الكهف : إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا ( 102 ) [ الكهف : 102 ] ، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي السعد الضبيّ :