الشنقيطي

511

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) [ الرعد : 5 ] . وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى : وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) [ الفرقان : 11 ] ، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكارهم بعث آبائهم الأولين في قوله أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 48 ) وأنه تعالى بين لهم أنه يبعث الأولين والآخرين في قوله ، قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ( 49 ) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 50 ) [ الواقعة : 49 - 50 ] جاء موضحا في غير هذا الموضع ، فبينا فيه أن البعث الذي أنكروا ، سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين ، وذلك في قوله تعالى في الصافات وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 17 ) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ( 18 ) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ( 19 ) [ الصافات : 15 - 19 ] . وقوله : أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 48 ) ، قرأه عامة القراء السبعة ، غير ابن عامر وقالون عن نافع : أَ وَآباؤُنَا بفتح الواو على الاستفهام والعطف ، وقد قدمنا مرارا أن همزة الاستفهام إذا جاءت بعدها أداة عطف كالواو والفاء ، وثم نحو أَ وَآباؤُنَا أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى [ الأعراف : 97 ] أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ [ يونس : 51 ] ، أن في ذلك وجهين لعلماء العربية والمفسرين الأول ، منهما أن أداة العطف عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها ، وهمزة الاستفهام متأخرة رتبة عن حرف العطف ، ولكنها قدمت عليه لفظا لا معنى لأن الأصل في الاستفهام التصدير به كما هو معلوم في محله . والمعنى على هذا واضح وهو أنهم أنكروا بعثهم أنفسهم بأداة الإنكار التي هي الهمزة ، وعطفوا على ذلك بالواو إنكارهم بعث آبائهم الأولين ، بأداة الإنكار التي هي الهمزة المقدمة عن محلها لفظا لا رتبة ، وهذا القول هو قول الأقدمين من علماء العربية ، واختاره أبو حيان في البحر المحيط وابن هشام في مغني اللبيب ، وهو الذي صرنا نميل إليه أخيرا بعد أن كنا نميل إلى غيره . الوجه الثاني : هو أن همزة الاستفهام في محلها الأصليّ ، وأنها متعلقة بجملة محذوفة ، والجملة المصدرية بالاستفهام معطوفة على المحذوفة بحرف العطف الذي بعد الهمزة ، وهذا الوجه يميل إليه الزمخشريّ في أكثر المواضع من كشافه ، وربما مال إلى غيره . وعلى هذا القول ، فالتقدير : أمبعوثون نحن وآباؤنا الأولون ؟ وما ذكره الزمخشريّ هنا من أن قوله : آباؤُنَا [ الواقعة : 48 ] معطوف على واو الرفع في قوله : لَمَبْعُوثُونَ ( 47 ) ، وأنه ساغ العطف على ضمير رفع متصل من غير توكيد بالضمير المنفصل لأجل الفصل بالهمزة لا يصح ، وقد رده عليه أبو حيان وابن هشام وغيرهما .