الشنقيطي
508
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قد قدمنا الكلام عليه بإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) [ مريم : 62 ] وتكلمنا هناك على الاستثناء المنقطع وذكرنا شواهده من القرآن وكلام العرب ، وبينا كلام أهل العلم في حكمه شرعا . قوله تعالى : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) وَماءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 ) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) [ 30 - 33 ] . أما قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ( 57 ) [ النساء : 57 ] وأما قوله وَماءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 ) فقد دلت عليه آيات كثيرة من كتاب اللّه كقوله تعالى فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : 15 ] وقوله إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 45 ) [ الحجر : 45 ] وقوله وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [ الأعراف : 50 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات . والمسكوب اسم مفعول سكب الماء ونحوه إذا صبه بكثرة ، والمفسرون يقولون : إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود ، وأن الماء يصل إليهم أينما كانوا كيف شاءوا ، كما قال تعالى عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) [ الإنسان : 6 ] وأما قوله وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) الآية : فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) [ الطور : 22 ] . قوله تعالى : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ( 35 ) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ( 36 ) عُرُباً أَتْراباً ( 37 ) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ( 38 ) [ 35 - 38 ] . الضمير في أنشأناهن : قال بعض أهل العلم : هو راجع إلى مذكور ، وقال بعض العلماء . هو راجع إلى غير مذكور ، إلا أنه دل عليه المقام . فمن قال إنه راجع إلى مذكور ، قال هو راجع إلى قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ( 34 ) [ الواقعة : 34 ] قال : لأن المراد بالفرش النساء ، والعرب تسمي المرأة لباسا وإزارا وفراشا ونعلا ، وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله مَرْفُوعَةٍ ( 34 ) رفع المنزلة والمكانة . ومن قال : إنه راجع إلى غير مذكور ، قال : إنه راجع إلى نساء لم يذكرن ، ولكن ذكر الفرش دل عليهن . لأنهن يتكئن عليها مع أزواجهن . وقال بعض العلماء : المراد بهن الحور العين ، واستدل من قال ذلك بقوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ( 35 ) لأن الإنشاء هو الاختراع والابتداع . وقالت جماعة من أهل العلم : أن المراد بهن بنات آدم التي كن في الدنيا عجائز شمطا رمصا ، وجاءت في ذلك آثار مرفوعة عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعلى هذا القول : فمعنى أنشأناهن إنشاء أي