الشنقيطي

506

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لأنه عبر في السابقين من هذه الأمة بقوله : وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 14 ) وعبر عن أصحاب اليمين من هذه الأمة وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 40 ) . ولا غرابة في هذا ، لأن الأمم الماضية أمم كثيرة . وفيها أنبياء كثيرة ورسل ، فلا مانع من أن يجتمع من سابقيها من لدن آدم إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر من سابقي هذه الأمة وحدها . أما أصحاب اليمين من هذه الأمة فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جميع الأمم ، لأن الثلة تتناول العدد الكثير ، وقد يكون أحد العددين الكثيرين أكثر من الآخر ، مع أنهما كلاهما كثير . ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير ، لا ينافي ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة . فأما كون قوله وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 14 ) دل ظاهر القرآن على أنه في خصوص السابقين ، فلأن اللّه قال وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) [ الواقعة : 10 - 12 ] ثم قال تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين المقربين ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 14 ) . وأما كون قوله : وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 40 ) [ الواقعة : 40 ] في خصوص أصحاب اليمين ، فلأن اللّه تعالى قال فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ( 36 ) عُرُباً أَتْراباً ( 37 ) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ( 38 ) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 39 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 40 ) [ الواقعة : 36 - 40 ] ، والمعنى هم أي أصحاب اليمين : ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ، وهذا واضح كما ترى . قوله تعالى : عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ( 15 ) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ( 16 ) [ 15 - 16 ] . السرر جمع سرير ، وقد بين تعالى : أن سررهم مرفوعة في قوله : في الغاشية فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) [ الغاشية : 13 ] وقوله تعالى مَوْضُونَةٍ ( 15 ) منسوجة بالذهب ، وبعضهم يقول بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت ، وكل نسج أحكم ودوخل بعضه في بعض ، تسمية العرب وضنا ، وتسمى المنسوج به موضونا ووضينا ، ومنه الدرع الموضونة إذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض . ومنه قول الأعشى : ومن نسج داود موضونة * تساق مع الحي عيرا فعيرا وقوله أيضا : وبيضاء كالنهى موضونة * لها قونس فوق جيب البدن ومن هذا القبيل تسمية البطان الذي ينسج من السيور ، مع إدخال بعضها في بعض وضينا .