الشنقيطي

497

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

كلاهما يشهد له قرآن ، فنذكر ذلك كله مبينين أنه كله حق ، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك ، ومن ذلك هذه الآية الكريمة . وإيضاح ذلك أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء ، كلاهما يشهد له قرآن : أحدهما : أن المراد بقوله : مَقامَ رَبِّهِ : أي قيامه بين يدي ربه ، فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام ، وفاعله على هذا الوجه هو العبد الخائف ، وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه ، وهذا الوجه يشهد له قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) [ النازعات : 40 - 41 ] ، فإن قوله : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) : قرينة دالة على أنه خاف عاقبة الذنب حين يقوم بين يدي ربه ، فنهى نفسه عن هواها . والوجه الثاني : أن فاعل المصدر الميميّ الذي هو المقام ، هو اللّه تعالى : أي خاف هذا العبد قيام العبد قيام اللّه عليه ومراقبته لأعماله وإحصائها عليه ، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام اللّه على جميع خلقه وإحصائه عليهم أعمالهم كقوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة : 255 ] ، وقوله تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] ، وقوله تعالى : وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [ يونس : 61 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى في شأن الجن : يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [ الأحقاف : 31 ] الآية ، أن قوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) ، وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) [ الرحمن : 13 و 16 ] ، نص قرآنيّ على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة . قوله تعالى : مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [ 54 ] . قد بينا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [ النحل : 14 ] جميع الآيات القرآنية الدالة على تنعم أهل الجنة بالسندس والإستبرق ، والحلية بالذهب والفضة ، وبينا أن جميع ذلك يحرم على ذكور هذه الأمة في دار الدنيا . قوله تعالى : فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ [ 56 ] . قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى : وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( 48 ) [ الصافات : 48 ] .