الشنقيطي

487

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ( 5 ) [ الفيل : 5 ] وقيل العصف : التبن . وقوله : وَالرَّيْحانُ ( 12 ) : اختلف العلماء في معناه ، فقال بعض أهل العلم : هو كل ما طاب ريحه من النبت وصار يشم للتمتع بريحه . وقال بعض العلماء الريحان : الرزق ، ومنه قول النجم بن تولب العكليّ : فروح الإله وريحانه * ورحمته وسماء درر غمام ينزل رزق العباد * فأحيا البلاد وطاب الشجر ويتعين كون الريحان بمعنى الرزق على قراءة حمزة والكسائيّ ، وأما على قراءة غيرهما فهو محتمل للأمرين المذكورين . وإيضاح ذلك أن هذه الآية قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم : وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) بضم الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث ، وهو عطف على فاكهة أي فيها فاكهة ، وفيها الحب إلخ ، وقرأه ابن عامر : وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ، بفتح الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث ، وفي رسم المصحف الشامي ذا العصف بألف بعد الذال ، مكان الواو ، والمعنى على قراءته : وخلق الحب ذا العصف والريحان ، وعلى هاتين القراءتين ، فالريحان محتمل لكلا المعنيين المذكورين . وقراءة حمزة والكسائي بضم الباء في الحب وضم الذال في ذو العصف وكسر نون الريحان عطفا على العصف ، وعلى هذا فالريحان لا يحتمل المشموم لأن الحب الذي هو القمح ونحوه صاحب عصف وهو الورق أو التبن وليس صاحب مشموم طيب ريح . فيتعين على هذه القراءة أن المراد بالعصف ما تأكله الأنعام من ورق وتبن ، والمراد بالريحان ما يأكله الناس من نفس الحب ، فالآية على هذا المعنى كقوله مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) [ النازعات : 33 ] وقوله تعالى فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ [ السجدة : 27 ] . وقوله تعالى فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [ طه : 53 - 54 ] وقوله تعالى لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ [ النحل : 10 - 11 ] الآية . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة فِيها فاكِهَةٌ ما ذكره تعالى فيه من الامتنان بالفاكهة التي هي أنواع ، جاء موضحا في آيات أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى في سورة الفلاح لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 ) [ المؤمنون : 19 ] وقوله تعالى : وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) [ عبس : 31 ] إلى غير ذلك من الآيات . وما ذكره هنا من الامتنان بالحب جاء موضحا في آيات أخر ، كقوله تعالى : فَأَنْبَتْنا