الشنقيطي
476
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يحضره صاحبه ، فتحضر الناقة شرب يومها وتحضر ثمود شرب يومها . وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آية أخرى وهي قوله تعالى في الشعراء قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) [ الشعراء : 155 ] وشرب الناقة هو الذي حذرهم منه صالح لئلا يتعرضوا له في قوله تعالى : فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 ) [ الشمس : 13 ] . قوله تعالى : فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 ) [ 29 ] . قوله : فَتَعاطى ، قال أبو حيان في البحر : فتعاطى هو مطاوع عاطا ، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضا ، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده . انتهى محل الغرض منه . والعرب تقول : تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله ، وعاطاه إذا تناوله ، ومنه قول حسان رضي اللّه عنه : كلتاهما حلب العصير فعاطني * بزجاجة أرخاهما للمفصل وقوله : فَعَقَرَ ( 29 ) أي تعاطى عقر الناقة فعقرها ، فمفعولا الفعلين محذوفان تقديرهما كما ذكرنا ، وعبر عن عاقر الناقة هنا بأنه صاحبهم ، وعبر عنه في الشمس بأنه أشقاهم وذلك في قوله إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ( 12 ) [ الشمس : 12 ] . وهذه الآية الكريمة تشير إلى إزالة إشكال معروف في الآية ، وإيضاح ذلك أن اللّه تعالى فيها نسب العقر لواحد لا لجماعة ، لأنه نال : فتعاطى فعقر ، بالإفراد مع أنه أسند عقر الناقة في آيات أخر إلى ثمود كلهم كقوله في سورة الأعراف : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ [ الأعراف : 77 ] الآية ، وقوله تعالى في هود فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [ هود : 65 ] وقوله في الشعراء : فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ ( 157 ) [ الشعراء : 157 ] ، وقوله في الشمس : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها [ الشمس : 14 ] . ووجه إشارة الآية إلى إزالة هذا الإشكال هو أن قوله تعالى فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 ) [ القمر : 29 ] يدل على أن ثمود اتفقوا كلهم على عقر الناقة ، فنادوا واحدا منهم لينفذ ما اتفقوا عليه ، أصالة عن نفسه ونيابه عن غيره . ومعلوم أن المتمالئين على العقر كلهم عاقرون ، وصحت نسبة العقر إلى المنفذ المباشر للعقر ، وصحت نسبته أيضا إلى الجميع ، لأنهم متمالئون كما دل عليه ترتيب تعاطي العقر بالفاء في قوله : فتعاطا فعقر على ندائهم صاحبهم لينوب عنهم في مباشرة العقر في قوله تعالى : فَنادَوْا صاحِبَهُمْ أي نادوه ليعقرها . وجمع بعض العلماء بين هذه الآيات بوجه آخر ، وهو أن إطلاق المجموع مرادا به