الشنقيطي

470

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله تعالى : وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 77 ) [ الأنبياء : 77 ] . وقوله تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً [ نوح : 25 ] . وقوله تعالى : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) [ هود : 37 والمؤمنون 27 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون قوم نوح أظلم وأطغى ، أي أشد ظلما وطغيانا من غيرهم ، قد بينه تعالى في آيات أخر كقوله تعالى : قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ( 5 ) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ( 6 ) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ( 7 ) [ نوح : 5 - 7 ] . وقوله تعالى : قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً ( 21 ) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) - إلى قوله - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً [ نوح : 21 - 24 ] . وقوله تعالى : إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) [ نوح : 27 ] . وقوله : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [ هود : 38 ] . ومن أعظم الأدلة على ذلك قوله تعالى : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً [ العنكبوت : 14 ] لأن قوما لم يتأثروا بدعوة نبيّ كريم ناصح في هذا الزمن الطويل ، لا شك أنهم أظلم الناس وأطغاهم . قوله تعالى : وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ( 53 ) [ 53 ] . المؤتفكة ، مفتعلة من الإفك ، وهو القلب والصرف ، والمراد بها قرى قوم لوط بدليل قوله في غير هذا الموضع : وَالْمُؤْتَفِكاتِ [ التوبة : 70 والحاقة : 9 ] بالجمع ؛ فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع كما أوضحناه مرارا ، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وفي كلام العرب وأحلنا عليه مرارا ، وإنما قيل لها : مؤتفكة ، لأن جبريل أفكها فأتفكت ، ومعنى أفكها أنه رفعها نحو السماء ثم قلبها جاعلا أعلاها أسفلها ، وجعل عاليها أسفلها ، هو ائتفاكها وإفكها . وقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة هود في قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً [ هود : 82 ] . وقوله تعالى في سورة الحجر : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ( 73 ) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ( 74 ) [ الحجر : 73 - 74 ] . وقد بينا قصة قوم لوط في هود والحجر ، وقوله في هذه الآية الكريمة : أَهْوى ( 53 ) .