الشنقيطي
448
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يدل على أنه لا يقع من ذلك إلا ما أراده اللّه كونا وقدرا ، واللّه جل وعلا يقول : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 ) [ يونس : 25 ] ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « كلّ ميسر لما خلق له » « 1 » . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) [ 57 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام : 14 ] . قوله تعالى : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) [ 59 ] . أصل الذنوب في لغة العرب الدلو ، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار والقلب بالدلو ، فيأخذ هذا منه ملء دلو ، ويأخذ الآخر كذلك ، ومن هنا أطلقوا اسم الذنوب ، التي هي الدلو على النصيب . قال الراجز في اقتسامهم الماء بالدلو : لنا ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب ويروى : إنا إذا شاربنا شريب * له ذنوب ولنا ذنوب * فإن أبى كان لنا القليب * ومن إطلاق الذنوب على مطلق النصيب قول علقمة بن عبدة التميميّ . وقيل عبيد : وفي كل حي قد خبطت بنعمة * فحق لشأس من نداك ذنوب وقول أبي ذؤيب : لعمرك والمنايا طارقات * لكل بني أب منها ذنوب فالذنوب في البيتين النصيب ، ومعنى الآية الكريمة ، فإن للذين ظلموا بتكذيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذنوبا ، أي نصيبا من عذاب اللّه مثل ذنوب أصحابهم من الأمم الماضية من العذاب لما كذبوا رسلهم . وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات كثيرة من كتاب اللّه كقوله تعالى : قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 ) [ الزمر : 50 - 51 ] .
--> ( 1 ) أخرجه عن عمران بن حصين : البخاري في القدر حديث 6596 ، ومسلم في القدر حديث 9 .