الشنقيطي

444

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

اختلف العلماء في معنى قوله لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ، فقال بعضهم المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء ، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة اللّه حاصلة بفعل السعداء منهم كما يدل عليه قوله تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 ) [ الأنعام : 89 ] ، وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان . وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم . وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي : فإن قتلوكم فاقتلوهم ، من القتل لا من القتال ، وقد بينا هذا في مواضع متعددة ، وذكرنا أن من شواهده العربية قول الشاعر : فسيف بني عبس وقد ضربوا به * نبا من يدي ورقاء عن رأس خالد فتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابيّ ، هو ورقاء يعني ابن زهير العبسيّ . وقد قدمنا في الحجرات أن من ذلك قوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [ الحجرات : 14 ] الآية بدليل قوله : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ - إلى قوله - سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) [ التوبة : 99 ] . وقال بعض العلماء : معنى قوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) . أي « إلا ليقروا لي بالعبودية طوعا أو كرها » ، لأن المؤمن يطيع باختياره والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرا عليه ، وهذا القول رواه ابن جرير « 1 » عن ابن عباس واختاره ، ويدل له قوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ الرعد : 15 ] الآية ، والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل للّه جل وعلا ، وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعا وبعضهم يفعله كرها . وعن مجاهد أنه قال : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) أي إلا ليعرفوني . واستدل بعضهم لهذا القول بقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] ونحو ذلك من الآيات . وهو كثير في القرآن ، وقد أوضحنا كثرته فيه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] . وقال بعض أهل العلم : وهو مروي عن مجاهد أيضا معنى قوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره ، وعلى هذا القول : فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله : لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) إرادة دينية شرعية وهي الملازمة

--> ( 1 ) جامع البيان 27 / 8 .